تعريف بالمؤلف: د. محمد أحمد لوح، عالم وداعية سنغالي ولد سنة 1955م، تخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1997م، أسس الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية في السنغال، وهو –حاليًا- رئيس مجلس أمناء اتحاد علماء إفريقيا، ورئيس لجنة الإفتاء فيه، وعميد الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية، له عدد من المؤلفات المنشورة، منها هذا الكتاب الذي هو رسالته في مرحلة الماجستير، وقد صدر في مجلدين.
سبب اختيار الموضوع: بيّن الباحث أن من أسباب اختياره لهذا الموضوع هو انتشار التصوف في العالم الإسلامي، وخصوصا في البلد الذي يعيش فيه والبلدان التي حوله، وهذا الانتشار احتاج معه إلى أن يقف وقفة لمعرفة تفاصيل العقائد والشعائر التي يقوم عليها التصوف، والفكر الذي يقوم عليه، وذلك لنقده.
تعريف عام بمواضيع الكتاب ومحاوره:
في الجزء الأول تناول المؤلف:
أولاً: عن مفهوم الزهد عند السلف وعند الصوفية، ثم عرَّف معنى التصوف وأصل الكلمة، وكذلك وضّح معنى التقديس لغة واصطلاحًا.
ثم تناول قضية (الأولياء) وألقى الضوء على "الأقطاب" في الفكر الصوفي، مع تحديد أهم المعتقدات التي يعتقدها الصوفية في هؤلاء من القدرات الخارقة على التصرف في الكون والحياة، والعصمة من الخطأ والخطايا، ووضّح الآثار الخطيرة المترتبة على هذه العقيدة، وتوسّع المؤلف في ذلك ليستوعب الكثير من الأمثلة والنماذج في انحرافات الصوفية في قضية الأولياء.
كما تطرق الباحث إلى عقيدة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود عند غلاة الصوفية، واستعرض كلام عدد من رواد التصوف من حملة هذا الفكر الضال والمخاطر المترتبة على هذا الاعتقاد.
وفي الجزء الثاني ناقش المؤلف:
مظاهر تقديس الأموات في الفكر الصوفي، فتحدث عن عقيدة الرجعة عندهم، وأصولها الشيعية الرافضية، ودعوى مقابلة النبي في اليقظة، وحضوره عليه الصلاة والسلام اجتماعاتهم.
كما تحدث المؤلف عن الكرامة والمعجزة والخوارق عند الصوفية.
ثم ختم البحث بذكر أهم النتائج التي توصل إليها، وهي:
الأولى: بالنظر إلى التصوف كمادة سلوكية يظهر أنه خليط من الأديان والفلسفات ونتائج أفكار الأمم البائدة، وبالنظر إلى رجاله الأوائل ندرك أنهم – نظرًا لانتشار العلم في وقتهم – قد تمسكوا بالكتاب والسنة إلى حد لم يصل إليه من جاء بعدهم من المتصوفة. ومع ذلك نجد أنهم تأثروا بالثروة الثقافية الأجنبية المقتبسة من تلك الفلسفات تأثرًا لم يسمح لهم بأن يطبقوا الكتاب والسنة في كل ما يعتقدون ويقومون به من أعمال.
يضاف إلى ذلك أن تغليب جانب العبادة عندهم أدّى في كثير من الأوقات إلى عدم الاهتمام بالعلم، كما وصفهم به كبار النقاد كابن الجوزي. وهذا البعد عن العلم مع الحرص على العبادة أدى بهم إلى ابتداع شعائر وطقوس هي عمدة من جاء بعدهم من أهل التصوف.
وعلى هذا نستطيع أن نقرر بكل اطمئنان أنه لم يوجد قط صوفي طبق التعاليم الصوفية إلا وعنده انحرافات فكرية وعقدية ظهرت في عباداته وسلوكه، فإذا وجد على مدار التاريخ شخص أطلق عليه اسم (الصوفي) وخلت حياته الفكرية والعملية مما ذكر فالتسمية خاطئة. ودعوى تطبيقه لتعاليم الصوفية غير صادقة.
الثانية: أن الزهد الذي حثّ عليه الإسلام وعرفه السلف الصالح ليس هو الزهد الصوفي، وليس هو النواة الأولى لنشأة التصوف كما يدعي بعض الباحثين، ولا علاقة له به كما يزعمون. فالتصوف – منذ نشأ إلى اليوم – شيء، والزهد الإسلامي شيء آخر يغايره مغايرة كاملة.
الثالثة: أن الحدود والتعريفات التي ضَبط بها كبار الصوفية المتقدمون معاني (الزهد) و(التصوف) و(الولي) و(القطب) تمثل العمود الفقري لجميع معتقداتهم في قدرات الشخصيات المقدسة عند الصوفية.
وأرى أن الاهتمام بهذا الجانب يعد من أقرب السبل إلى معرفة عقائد المتقدمين منهم، وكشف مدى توغلهم في الانحرافات الفكرية والمنهجية، وفي ذلك ما يوصد الباب أمام أولئك الذين يريدون تبرئة المتقدمين من أهل التصوف من الوقوع في انحرافات متأخريهم. ولم أجد أحدًا من الباحثين أعطى هذا الجانب أهمية تذكر، فآمل أن يقف قارئ هذا البحث على ما يؤكد له ذلك.
الرابعة: عمدت الصوفية إلى تقسيم الدين الإسلامي إلى شريعة، وحقيقة صوفية، وزعمت أن نصوص الشريعة لها ظاهر وباطن، وأن ظاهرها المتبادر إلى العقول والأذهان إنما هو للعوام والجمهور، وأما التفسير الباطني الذي هو لب الدين ومقصد الشارع الأساسي لا يدركه إلا أولياء التصوف وأقطابه (العارفون الواصلون) ويعنون بهم أولئك الذين سقطوا في أوحال الحلول، أو في مستنقعات الاتحاد والوحدة.
وبهذا التقسيم تمكنوا من إقناع الجماهير بأن القيود والتكاليف الشرعية إنما هي للعوام، وأما أهل الحقيقة – وهم المقدسون عندهم – فلهم أن يخرجوا عن الشريعة ولا يسوغ لأحد أن ينكر عليهم.
وعلى هذا أستطيع أن أقول: إن الحركة الصوفية تهدف إلى نقض عرى العقيدة الإسلامية الصحيحة عروة عروة، وتحاول أن تهدم جدار الشريعة المنيع. وتستقطب الصوفية في ذلك كل الأفكار والمبادئ والوسائل التي تساعدهم على تحقيق ذلك.
الخامسة: أن قارئ تراث الفكر الصوفي المدون في مختلف العصور إذا أمعن النظر في تصور الصوفية (للولي) و(القطب) و(الشيخ الصوفي) يخرج بنتيجة تؤكد أن هؤلاء لم يتركوا شيئا مما يستحقه المولى عز وجل من الصفات وأنواع العبادات إلا وصفوا بها أولئك (المقدسين) وتوجهوا بتلك العبادات إليهم، وتؤكد أن فرقة الصوفية من أجهل الطوائف بحقوق الله على خلقه. وهذا البحث شاهد من شواهد هذه الحقيقة.
السادسة: عُلم بالاستقراء أنه ليس هناك صوفي أقرّ له كبار الصوفية بأنه من أهل الفتح والعرفان إلا ونجد في فكره – إن كان له فكر مدون – ما يدل دلالة واضحة على أنه من أهل الحلول أو الاتحاد، إن لم يكن موغلاً في الوحدة المطلقة، كما علم بتتبع فكرهم أن كبار الصوفية إذا أطلقوا كلمة (التوحيد) و(المعرفة) إنما يقصدون بها وحدة الوجود. وهذا هو ما يفسر حرصهم على كتمان توحيدهم غاية الكتمان، ولا يظهرونه إلا عند أخص أصحابهم.
السابعة: أن الصوفية بِنشرهم عقيدة الحلول قدموا للصليبيين أهل التثليث خدمات جليلة ما كانوا يحلمون بها، ووضعوا في طريق إفحام أهل التثليث أسلاكًا شائكة: فإذا قيل لهم – مثلاً -: أنتم تتناقضون بقولكم إن الثلاثة واحد. أجابوا بأن في المسلمين من يقول بمثله وهم الحلوليون. وهذا الأمر هو السر وراء اتجاه المستشرقين الصليبيين إلى نبش التراث الصوفي الحلولي وتحقيقه وطباعته منذ وقت طويل.
الثامنة: تأكد لنا من خلال هذا البحث أن من أعد نفسه لاعتقاد كل ما ينشر في الفكر الصوفي فسوف يجد نفسه محاطًا بعدد لا يحصى من الأرباب والآلهة، كل يدعو إلى نفسه بأساليب مختلفة ومناهج ملتوية، وفي ذلك من أسباب الحيرة والدهشة والشقاوة ما لا يزول إلا بالعودة الصادقة والجادة إلى الاعتصام بالكتاب السنة عقيدةً وعملاً وسلوكًا.
التاسعة: لقد تحقق لي خلال هذا البحث العثور على فوائد عظيمة من فقه السلف في العقيدة والعبادة، كما تحقق لي بعض الاكتشافات العلمية، ولعل من أهمها اكتشاف مؤلف كتاب (النور من كلمات أبي طيفور) الذي حققه المحقق الكبير د. عبد الرحمن بدوي بمساعدة أستاذه المستشرق البحاثة (ماسنيون) ولم يستطع أحد منهما أن يعرف مؤلف الكتاب، فرجّح المحقق أنه لمؤلف مجهول.
فوقفت في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على التصريح بأن الكتاب المذكور ألفه أبو الفضل الفلكي، ولله الحمد والمنة.




