مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
عصارة الكتب

الصوفية والسياسة في السودان دراسة تاريخية

فاطمة عبد الرؤوف 8 دقائق قراءةربيع ثاني 1448 هـ — سبتمبر 2026 م 14
الصوفية والسياسة في السودان دراسة تاريخية

كتاب الصوفية والسياسة في السودان دراسة تاريخية للدكتور عبد الجليل عبد الله صالح أكثر من مجرد كتاب تاريخي، فالكتاب الذي يستعرض تاريخ التصوف في السودان منذ عام 1504 وحتى عام 2022 يشرح تفاعل التصوف مع السياسة في تلك الفترة.. والكتاب مكون من 239 صفحة من الحجم الكبير وينقسم لثمانية أبواب.

الباب الأول كان بعنوان: حول مفاهيم التصوف، السياسة والسلطة

 تناول فيه مفهوم التصوف ومميزاته وأبعاده، وكيف أن التصوف بمعناه العام وجد في كل ثقافة وحضارة (اليونان وفارس والهند واليهودية والمسيحية والإسلام).

وبخصوص نشأة التصوف في الإسلام ينقل رأي نيكلسون أنه نشأ كردّ فعل لظلم الحكام واستبدادهم فكان الزهد أداة احتجاج ونوعًا من الثورة الروحية، وهو حركة فردية تنامت بمرور الوقت عندما افترق السلطان والقرآن. ثم تطرق لبعض رموز الصوفية الذين خاضوا تجارب ذاتية نتج عنها نشأة الطرق الصوفية كتعبير عن الجانب الاجتماعي للتصوف الذي يتأسس على الأخلاق الصوفية التي يصفها بأنها جوهر الصوفية، وانعكس ذلك سوسيولوجيًا بطريقتين مختلفتين:

الأولى: تحول التصوف من الخلق الفردي للخلق الجماعي.

الثانية: تعدد الطرق الصوفية التي أسس أتباعها لها زوايا في أنحاء العالم الإسلامي.

ومن أخطر القضايا التي تطرق إليها الباب الأول الهيكل التنظيمي للطرق الصوفية، حيث السلطة المطلقة للشيخ وتوريث المشيخة للابن الأكبر للشيخ في مقابل الطاعة المطلقة للمريد، وهو الأمر الذي يتناقض مع تصوير نشأة التصوف كردّ فعل للاستبداد! كما أن طقوس البيعة تتناقض مع الالتزام بالكتاب والسنة والالتزام بحدود العبادة كما يدّعي الصوفية.

وبينما الصوفيين الأوائل لم يتطرقوا للسياسة مطلقا في أدبياتهم إلا بمعنى سياسة النفس عدا أبو حامد الغزالي، فإن المؤلف يرى أن: "الأصل في التصوف هو التزاوج بين الرباط الروحي التربوي ومفهوم الرباط السياسي، أي الانخراط في هموم الأمة والسير في مصالح الخلق والوطن")[1](، كما يعتقد المؤلف أن الصوفية حركة سياسية معارضة تم اضطهادها من قبل السلطة والعلماء الرسميين ويضرب مثالا على ذلك بالحلاج!

ويرى المؤلف أيضًا أن الصوفية كانت لها سلطة موازية للملوك والسلاطين، فيقارن بين الولي والوالي والخرقة الصوفية والخلعة من الملك، ويناقش مسألة عزوف الكثيرين منهم عن السياسة ويرى أن هناك مبالغة في وصف الصوفية بالانكفائية، حيث مارس الصوفية السياسة عبر نصح الحكام والشفاعة لديهم وجهاد الأعداء ومقاومة الاستعمار والإصلاح الاجتماعي، بل وإقامة دول إسلامية. وفي الوقت ذاته يرى أنه لا يمكن وصف الصوفية جميعا بممارسة السياسة أو الابتعاد عنها.. وهذه الفكرة سوف يقوم بتكرارها في كل أبواب الكتاب تقريبا. 

الباب الثاني من الكتاب جاء بعنوان: الطرق الصوفية في السودان

حيث عرّف بالطرق الصوفية وشرح مفهوم "المسِيد" وهو مقر الطريقة، واستعرض تاريخ ظهور هذا المفهوم في السودان، وكيف ذابت فيه العصبية القبلية، وتم حل قضايا الخصوم وصنع الثقافة السودانية بوجه عام كما كان للخلاوي أثر في ظهور المدن واندماج السكان.  

ودافع الكاتب عن أن تعدد الطرق الصوفية كان عامل وحدة لا تجزئة! ثم استطرد في ذكر الطرق الصوفية في السودان ومناطق وجودها، المركزي منها وغير المركزي.

جاء الباب الثالث من الكتاب بعنوان: المنهج الصوفي في السودان

حيث قارن بين الإسلام الصوفي والإسلام السياسي والإسلام السلفي الفقهي بحسب مصطلحاته، وشرح كيف أن الإسلام الصوفي كان الأكثر نجاحًا في السودان لتسامحه ولينه واستيعابه لثقافة المخالفين، ويعزو الطيبة والتسامح واللين وكل الصفات المميزة في الشخصية السودانية للجانب الصوفي منها.

وعرج على الخطاب الصوفي ولغته الخاصة التي تعبر عن المعرفة اللدنية، وأن مضمون هذا الخطاب هو التسامح والحب للآخر، حتى للعدو والمذنب، فهو خطاب لا يعرف الصد والإقصاء، ومن ركائزه أيضا الدعوة للصلح والسلم.

ويختم الفصل بمصطلح "الدبلوماسية الشعبية" للطرق الصوفية، حيث يتحدث عن نجاح الطرق الصوفية في عمل علاقات جيدة مع العالم الخارجي، لدرجة أن بعض طرقها انتشر في أوروبا وأمريكا الشمالية لامتلاكها القدرة على تجديد الطاقة الروحية بين أجيال عربية أكثر حداثة. والمفارقة أن الكاتب يرى أنها تنتشر لأنها الأكثر ليبرالية.. فهل انتشرت الصوفية في هذه البلدان بسبب الطاقة الروحية العالية أم بسبب كونها الأكثر ليبرالية؟

الباب الرابع خصصه لـعلاقة مشايخ الصوفية بالحكام في السودان

حيث ناقش الاتهامات الموجهة للمتصوفة ووصْفهم بالسلبية والجمود، لكنه رجح الفريق الذي يرى في الصوفية معارضة صامتة تكشف فساد السلطة وتؤسس لسلطة اجتماعية بديلة، حتى أن السلطة السياسية قلقت منهم بسبب التفاف الناس حولها.

ثم تناول تجربة شخصيتين صوفيتين من السودان مارستا السياسة بشكل صريح ومباشر، أي جمعا بين الولاية والسلطان:

الشيخ عجيب المانجلك والإمام المهدي، حيث جمع الشيخ عجيب خيوط التباين القبلي والروحي، أما الإمام المهدي الذي سلك الطريقة السمانية فكان صوفيا زاهدا يهرع إليه الناس طلبا للغوث والبركة لكن ثقافته وكاريزميته وتأثيره على من حوله حوّلته من الصوفي إلى المهدي.

يرى الكاتب أن الصوفية -بوجه عام- حافظت على مسافة آمنة بينها وبين الحكومات فكانت تمارس فعلها السياسي بصفة استشارية، وكان "المسيد" ملاذًا للمريض والمظلوم والحائر، وكان السلاطين يهرعون إليهم للمشاورة.. وكانت شكاوى الناس ترفع إلى الحكام عن طريقهم.. وإن كان بعض شيوخ المتصوفة رفض التواصل مع الحكام مطلقا.

الباب الخامس كان تحت عنوان: سياسة الحكومات تجاه التصوف قبل وبعد الاستقلال

ولعل هذا الفصل هو أكثر الفصول تعلقا بعنوان الكتاب، إذ يتناول التأثر والتأثير المتبادلين وكيف شارك المتصوفة في الحياة السياسية الحقيقية ولم يكتفوا بالخلوة وبمجالس الذكر وإن كان الكاتب يحاول وعلى مدار الكتاب أن يضع المتصوفة في خانة المعارضة السياسية، وحتى من تورط فيهم في تأييد الحكام الظلمة اعتبره الكاتب خارجًا عن المنهج الصوفي!

لقد تورط الصوفية في لعبة السياسة أو كما يقول الكاتب: "عند قراءة تاريخ السودان الحديث والراهن من الصعوبة أن تجد أن هنالك فاصلا بين الطرق الصوفية والسلطة السياسية فكل الطرق الصوفية في السودان كان لها دور ما في جميع الأنظمة")[2](.

ويرى المؤلف أن الواقع السياسي في السودان يعتمد على تفاعل ثلاث قوى: السلطان وهو ما يعادل الدولة بكل تكويناتها، والفقيه، والصوفي... وأن الصوفي هو الأقرب للإنسان السوداني، وعندما يختلف الصوفي مع العالِم الفقيه ينتصر رجال الصوفية.

كما يرى أن هذا الثالوث قد يقوى أو يضعف ويتعادل كل طرف فيمثل ذلك أنموذجا سلطويا.. على سبيل المثال تعادل هذا الثالوث في الدولة السنارية.

وينقل الكاتب عن بعض المفكرين أن علاقة المتصوف بالعمل الحزبي الحديث بدأت منذ العام 1938 حيث مؤتمر الخريجين عندما تأسست نواتا حزب الأمة وحزب الاتحاد، حتى أن الشيخ كمال عمر قال: لكل حاكم في السودان شيخ بجواره.

ويفسر الكاتب حرص الحكومات السودانية المتتابعة على القرب من الطرق الصوفية "لأنهم مؤثرون جدا على أتباعهم وبالتالي من يريد أن يجذب الناس إلى صفه الحزبي لا د له من علاقة مع هؤلاء المشايخ، حدث هذا في ظل كل الحكومات الحديثة بعد الاستقلال"([3]).

ويبرر الكاتب العلاقة الوثيقة التي ربطت بين المتصوفة والمؤسسة العسكرية ويعتبره لونا من ألوان استغلال العسكر للمتصوفة "وعندي أن السبب من وراء هذا الاستغلال هو أن الطرق الصوفية تمثل منظمة مجتمع مدني يستطيع عبرها العسكر تكوين حاضنة سياسية تمكّنهم من مواجهة منظمات المجتمع الأخرى"([4])، ويعترف "أن بعضا من الطرق الصوفية استجابت لبعض إغراءات الحكام العسكر بما يغدقونه عليها من أموال ومناصب لمنسوبيها، فأحدث تشوهًا في التصوف ومفهومه"([5]). ويبرر لهم ذلك بقوله: "ربما يكون الهجوم الشرس الذي يقوم به السلفيون الوهابيون على التصوف واحدًا من الأسباب التي تجعل قادة الطرق الصوفية يميلون إلى إسناد العسكر"!!

بعد ذلك يستعرض الانتماء الصوفي لحكام السودان حيث يرى أن الغالبية العظمى لقادة السودان كانوا ينتمون لأسر ذات علاقة وثيقة بالمنهج الصوفي.

الفصل السادس الذي جاء بعنوان: الإنقاذ وتسييس التصوف

حيث أفرد لحكومة الإنقاذ هذا الفصل ليبيّن سياسة الاحتواء التي نفذتها جبهة الإنقاذ إزاء التصوف عن طريق جذب الشيخ أو خليفته لجبهة الإنقاذ، وفي هذا السياق يتهم الكاتب د. حسن الترابي بإحداث الصراعات في البيوتات الصوفية فيكون بعض أبناء الشيخ مواليًا للحكومة وبعضهم معارضًا لها وتحدث خلافات بينية حول قيادة الطريقة. 

واتهم المؤلف حكومة الإنقاذ بصناعة طرق وزعامات لم يكن لها وجود من قبل، وإغداق المال على هذه الكيانات حتى تستطيع القيام بدورها الوظيفي.. وتم استغلال التصوف لكسب القاعدة الجماهيرية التي تتبعه، وتَجسّد هذا فيما أطلق عليه "المجلس القومي للذكر والذاكرين" حيث مثّل الصوفية 80% من أعضائه، وهو مسمى ديني ذو بعد سياسي حيث أيد كثير من مشايخ الصوفية البشير وانضموا لعلماء وفقهاء السلطان.

وبسبب فشل كثير من مخططات حكومة الإنقاذ لاحتواء وتسييس الصوفية ودمج مشايخهم في مشروعهم السياسي رغم ما بذل من جهد ومال بالترغيب، لجأوا للترهيب عن طريق "التعدي على أضرحة وقباب، ومحاولة إزالتها في عديد من المرات من قبل السنة السلفيين المتشددين"([6]). بالإضافة للعنف اللفظي عبر المنابر، واستخدام السخرية والتهكم بكرامات الشيوخ حيث أثر ذلك في صورة الشيخ الصوفي في أذهان العامة! ولكن الكاتب يجادل أن سياسة الترهيب أيضا لم تحقق نجاحًا يذكر وأن التصوف نأى بنفسه عن التسييس حد أن الترابي اعترف أن فشل الإسلام السياسي يرجع في أحد أسبابه للتراث الصوفي الذي يرى أن عالم السلطان هو عالم الشيطان، وأن من وقع من شيوخ المتصوفة في فخ التسييس هم الانتهازيون.

جاء الباب السابع بعنوان: التصوف في السودان والإعلام المضلل

تناول الصورة التي يرسمها الإعلام للتصوف خاصة في علاقته بالسياسة ويرى إنها مضللة وذلك لسببين:

الأول: أنه لا يوجد كيان جامع وذلك منح الفرصة لبعض خلفاء السجادات الانتهازيين من التحدث باسم الصوفية والقول بأنها تؤيد الأنظمة السياسية الحاكمة.

الثاني: هو ضعف الإعلام عند المتصوفة أنفسهم.

الباب الثامن والأخير جاء بعنوان قضايا صوفية آنية

حيث استمر في مناقشة سبب الدعوة لإبعاد التصوف عن تقاطعات السياسة، وانتصر للرأي القائل بأن للسياسة أهلها وأن على المتصوفة الانشغال بقضايا أخرى مثل:

كيان صوفي موحد، العولمة، الخطاب الصوفي، التصوف والسياسة، قضية الإرشاد، التجديد، السماع، التأليف والتدوين، مراكز أبحاث التصوف.

في الختام: بقي أن نقول إن الكتاب مليء بالأخطاء الإملائية، وهناك تكرار شديد للأفكار واضطراب في الصياغة حتى إن الكتاب كان يمكن أن يصدر في نصف حجمه دون أي خلل، والملاحظة الأهم هي أن أفكار المؤلف مضطربة، فمرة يؤيد فكرةً في باب ثم يعارضها في بابٍ آخر، فبعد قراءة الكتاب كله لم أعرف إن كان الكاتب ينحاز لمشاركة المتصوفة في عالم السياسة أم يرفضها؟!

إلا أن المؤكد أنه أثبت أن كثيرًا من الطرق الصوفية تعاطت السياسة وتحالفت مع الحكومات المستبدة! لكنه برر ذلك بزعمه بأن من قام بذلك هم أدعياء التصوف من خلفاء السجادات.

مصادر ومراجع المادة

  • ص 42
  • ص 149
  • ص 151
  • ص 158
  • ص 161
  • ص 207
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب عصارة الكتب

في نقد التصوف: العلامة الإفريقي العالم الجليل البروفيسور محمد لوح وكتابه تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي
عصارة الكتب

في نقد التصوف: العلامة الإفريقي العالم الجليل البروفيسور محمد لوح وكتابه تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي

تعريف بالمؤلف: د. محمد أحمد لوح، عالم وداعية سنغالي ولد سنة 1955م، تخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1997م، أسس الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية في السنغال، وهو –حاليًا- رئيس مجلس أمناء اتحاد علماء…

المركز النيجيري للبحوث العربية6 دقائقالعدد 11
عصارة الكتب
عصارة الكتب

عصارة الكتب

القارئ لكتاب "هكذا تكلم ابن عربي" للدكتور نصر حامد أبو زيد لا بد أن تصيبه الدهشة من أسلوب التعظيم المبالغ فيه تجاه ابن عربي، فهو لا يكاد يأتي باسمه مجردا دون أن يسبقه بالشيخ الأكبر، ورغم أن صفحاته تجاوزت 250 صفحة( ) فلن…

فاطمة عبد الرؤوف9 دقائقالعدد 9
الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها دولة المماليك الجراكسة أنموذجًا.. عرض وتحليل
عصارة الكتب

الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها دولة المماليك الجراكسة أنموذجًا.. عرض وتحليل

في كتابه "الفساد الأخلاقي والاجتماعي وأثره في إضعاف الدول وسقوطها" يستعرض د. أبو بكر جلال الدين المجذوب أحوال دولة المماليك الجراكسة، خاصة في أواخر أيامها، ويكشف كمًّا هائلاً من المفاسد الأخلاقية التي استشرت على المستوى…

فاطمة عبد الرؤوف7 دقائقالعدد 8

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل