تعدّ الخلافات والصراعات على الزعامة والمشيخة جزءًا لا يتجزّأ من المشهد الصوفي، فمِن وقت لآخر، وما إن يُعلَن عن وفاة شيخٍ من شيوخ الطرق الصوفية في بلدٍ ما حتى تندلع على الفور معركة خلافته بين عدد من الطامحين نحو المال والجاه، وفي بعض الأحيان تصبح المعركة بين الأشقاء الذين كانوا يرون ما يتمتع به والدُهم –شيخ الطريقة- من جاهٍ ونفوذ، وما كان يسيطر عليه من موارد مالية.
وفي حين ينتهي الصراع –أحيانًا- بتنازل أحد الطرفين للطرف الآخر بزعامة الطريقة، تدْخل خلافات أخرى ساحات المحاكم وأروقة القضاء بانتظار قرار قضائي أو تدخّلِ مرجعيات عليا ينتصر لطرفٍ على حساب آخر، بينما يتم التعبير عن بعض الخلافات والصراعات الصوفية بشكل عنيف وحاد من خلال الخناجر والعصي.
وقبل الحديث عن بعض هذه الصراعات لا بد من الإشارة إلى جانبين مهمّين يفسّران تلك الصراعات:
الأول: ما يتمتع به الشيخ في الصوفية من تعظيم وقداسة، فقد وضعت الصوفية شيوخَها في مرتبة تفوق مرتبة الأنبياء والمرسلين، بل تضفي عليهم أحيانًا صفات الربوبية –والعياذ بالله-، كما أن بعض المجتمعات التي انتشر فيها التصوف يتمتع فيها شيخ الطريقة بالجاه والنفوذ والمكانة المرموقة.
الثاني: تحصل الطرق الصوفية على موارد مالية كبيرة من خلال النذور والتبرعات والمواسم والأضرحة، وغير ذلك، وعلى سبيل المثال "ما يصل إلى ضريح الجيلاني في السنة من أموال الزائرين يفوق ما كانت تنفقه الدولة العثمانية على الحرمين الشريفين في السنة الواحدة أضعافًا مضاعفة"([1])!
صراع على زعامة "الوزانية"
نبدأ محطتنا في شأن الخلافات على المشيخة والزعامة لدى الصوفية –والأمر هنا لا يخلو من الطرافة- أنه في سنة 1851م تولى عبد السلام الوزاني زعامة الطريقة أو الزاوية الوزانية، ثم تزوج من البريطانية إيميلي كين، مغامرًا بمكانته الروحية في المغرب وليس في زاوية وزان فقط.
كان لهذا الزواج تبعات على مكانة الوزاني فقد بعث السلطان محمد الرابع (حكم المغرب ما بين سنتي 1859 و1873) إليه رسالة يوبخه فيها على زواجه من بريطانية، لكنه لم يتراجع عن قراره الزواج، وتنازل عن سلطاته على رأس الزاوية، وهو ما أشعل فتنة كبيرة بين إخوته.
وغادر عبد السلام إلى طنجة لكي يبدأ حياة جديدة مع إيميلي كين، التي حملت لقب شريفة وزان بعد زواجها منه، واعتناقها الإسلام، وعاشت بعده إلى أن توفيت سنة 1944 ودُفنت في طنجة.
أما عبد السلام فقد توفي سنة 1892م، وحدث خلاف كبير بين إخوته وورثة الزاوية. في حين أن أبناءه من إيميلي كين، تربوا بمعزل عن الزاوية الأم في وزان، وأسسوا زاوية جديدة في طنجة، لا تزال موجودة إلى اليوم([2]).
صراع في مصر
في أواخر سنة 2008م، حدث صراع على منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر، بعد وفاة الشيخ أحمد كامل ياسين، طرفاه علاء الدين ماضي أبو العزايم وعبد الهادي القصبي، حيث اختار أعضاء المجلس الأعلى للطرق الصوفية -في بادئ الأمر- أبو العزايم رئيسًا، لكنه أغلبية الأعضاء سرعان ما عدلت عن رأيها بعد ثلاثة أيام، واختارت القصبي، الأمر الذي عدّه أنصار الأول "انقلابًا"، وأصدر شيوخ 30 طريقة صوفية بيانًا ندّدوا فيه بما حدث، وشككوا بشرعية الطريقة القصبية الخلوتية التي يرأسها القصبي، وقام أنصار أبو العزايم برفع دعاوى قضائية عديدة للمطالبة بحل المجلس وفرض الحراسة عليه([3]).
صراع في المغرب
وفي العام الماضي، كان المغرب ساحةً لصراع صوفي على زعامة الطريقة البودشيشية، فإنه لم يكد جثمان الشيخ جمال بودشيش، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، يُوارى في التراب، في 8/8/2025، حتى دبّ الخلاف بين ابنيه معاذ ومنير حول أحقية الخلافة.
أخرج منير وصية منسوبة إلى والده توصي له بزعامة الطريقة، الأمر الذي أثار أخاه وأنصاره واعتراضاتهم، وبعد أربعة أيام تنازل منير لشقيقه بالمشيخة([4])، لكنّ ذلك لم ينهِ الخلاف تمامًا إذ شهدت بعض مقرات الطريقة احتجاجات واعتصامات على تولي معاذًا المشيخة.
صراع في السودان
ومؤخرًا، وفي السودان، أغلقت السلطات في محلية أمبدة بولاية الخرطوم، مجمع الشيخ حسين الكولخي، أحد أشهر رموز الطريقة التيجانية في المنطقة. فمنذ وفاته عام 2021، نشب نزاع بين نجليه أحمد والتجاني حول أحقية خلافته، وتحول الخلاف في مناسبات عدة إلى مواجهات بين أنصار الطرفين بالأسلحة البيضاء والعصي، أسفرت عن وقوع إصابات.
وبررت السلطات قرار الإغلاق بتفاقم النزاع بين أفراد أسرة الكولخي بشأن إدارة المجمع والإشراف على أنشطته، في ظل تكرار الاشتباكات بين أنصار نجليه، وهو ما يشكل تهديدًا للأمن والاستقرار في المنطقة([5]).




