مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
محطات تاريخية

أول ضريح صوفي في مصر (245ه)

هيثم الكسواني 4 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 0
أول ضريح صوفي في مصر (245ه)

في سنة 245هـ، توفي الصوفي الشهير ذو النون المصري، أحد الصوفية الأوائل، وقد اختلف المؤرخون في ترجمته، فقال الحافظ ابن كثير: "ثَوبان بن إبراهيم،.. أبو الفيض المِصريّ، أحدُ المشايخ المشهورين، وقد ترجمه القاضي ابن خلكان في (الوفيات)، وذكر شيئًا من فضائله وأحواله،.. وهو معدودٌ في جملة من رَوى (الموطأ) عن مالك. وذكره ابنُ يونس في (تاريخ مصر)، وقال: كان أبوه نُوبيًا، وقيل: إنه كان من أهل إخْمِيم. وكان حليمًا فصيحًا.. وقد شُكي مرةً إلى المتوكّل، فأحضره، فلمّا دخل عليه وعظه، فأبكاه، فرَدّه مكرّمًا إلى بلده. فكان إذا ذكر عنده يثني عليه"([1]).

 وذكر الإمام الذهبي شيئًا من زهدِه وحِكَمه وما كان من توبته، لكنه نقل عن السلمي في (محن الصوفية) أنه "أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال، ومقامات الأولياء، فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم، وهجَره علماء مصر. وشاع أنه أحدث علمًا لم يتكلم فيه السلف، وهجروه حتى رموه بالزندقة، فقال أخُوه: إنّهم يقولونَ: إنك زنديق، فقال: 

ومالي سِوَى الإِطْرَاقِ وَالصّمْتِ حِيلَةٌ      وَوَضْعيَ كفِّي تَحْتَ خَدِّي وَتَذْكَارِي"([2]).

 

أما عند الصوفية، فلا نزاعَ على مكانته، يقول القشيري عنه: "فائق هذا الشأن، وأوحد وقته علمًا وورعًا وحالاً وأدبًا"([3]).

وأيًّا كانت ترجمة ذي النون، فقد توفي وأقيم على قبره ضريح، أصبح أولَ ضريحٍ صوفيٍ أو للصوفيةِ في مصر، كما يذكر ذلك الصوفية أو المهتمون بالآثار في مصر.

وبإقامة هذا الضريح، نشأ عالَمٌ –بكل ما تحمله الكلمة من معنى- من الدجل والخرافة والاستغلال والاتجار والشرك، إذ صار الطوافُ بالقبور والأضرحة كما يُفعل بالحج تمامًا، وطلبُ الحاجات من أصحابها، وتقديم الأموال والنذور لها، جزءًا لا يتجزأ من الاعتقاد الصوفي ومن السلوك والممارسة العملية، وشيئًا فشيئًا أصبح لهذه الأضرحة وللمدفونين تحتها من رجالات الصوفية القداسة والتعظيم، وأقوال الصوفية في ذلك أكثر من أن تُحصى.   

يقول ابن القيم رحمه الله: "وقد آلَ الأمر بهؤلاء الضالين المضلّين إلى أن شرعوا للقبور حجًّا، ووضعوا له مناسك حتى صنّف بعض غلاتهم في ذلك كتابا سمّاه (مناسك حجّ المشاهد) مضاهاة منه للقبور بالبيت الحرام ..."([4]).

وعلى الزاوية الأخرى أصبحت هذه الأضرحة سببًا لتكسّب سدنتِها وشيوخِ الصوفية، ومصدرَ دخل لا يدانيه دخلٌ، بل أصبح اختراعُ قبر أو ضريح أمرًا مألوفًا لدى الصوفية من أجل جني الأموال، وقد نقل تقريرٌ صحفيٌ تصريحًا لمسؤول في وزارة الأوقاف المصرية يؤكد فيه أن نحو خمسين في المئة من الأضرحة في مصر زائفة([5]).

وأكد التقرير السابق أنه لا تكاد تخلو مدينة مصرية من أضرحة تُقام حولها الموالد السنوية وتُبذل فيها الأموال بشكل عبثي ودون رقابة صارمة، وأن مظاهر ثراء كبير ظهر على شيوخ طرق صوفية لا تتناسب مع رواتبهم الحكومية والخاصة، كما أن شيخ إحدى الطرق الصوفية كان يرجع إلى مصر محمّلاً بالأموال بعد إحيائه حفلات المولد النبوي في بلدان عربية مثل ليبيا.

كما أصبحت الأموال والنذور التي تُقدّم للأضرحة "يسيل لها اللعاب"، فقد صرّح الدكتور عبد الهادي القصبي، رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية في مصر، بأنهم يجمعون 30 مليون جنيه شهريًّا من صناديق النذور، مستنكرًا قرار وزير الأوقاف المصري برفع صناديق التبرعات من المساجد على مستوى الجمهورية واستبدالها بحسابات بنكية([6]).

لقد أبدع شاعر النيل حافظ إبراهيم -رحمه الله- عندما صوّر لنا حال هذه القبور، والطقوس التي تجري حولها، وما يقدمه لها الناس من أموال طائلة ونذور، والحاجات التي يطلبونها من الأموات المدفونين فيها، في مقابل إهمال الفقراء الأحياء المستحقين لهذه الأموال، فقال متعجبًا مستنكرًا:

أَحياؤُنا لا يُرزَقونَ بِدِرهَمٍ                          وَبِأَلفِ أَلفٍ تُرزَقُ الأَمواتُ

مَن لي بِحَظِّ النائِمينَ بِحُفرَةٍ                       قامَت عَلى أَحجارِها الصَلَواتُ

يَسعى الأَنامُ لَها وَيَجري حَولَها                            بَحرُ النُذورِ وَتُقرَأُ الآياتُ

وَيُقالُ هَذا القُطبُ بابُ المُصطَفى                 وَوَسيلَةٌ تُقضى بِها الحاجاتُ([7])

 

ومن طريف ما يُذكر بشأن الدجل الذي يحصل بسبب هذه المقامات والقبور، وسرقة أموال الناس باسمها، ما عبّر عنه المثل المصري العامي الشهير "ده إحنا دافنينه سوا"، ومناسبتُه أنّ شقيقين أو صديقين كان لديهما حمار، أسمياه "أبو الصبر" لشدة ما كانا يستخدمانه ويعتمدان عليه في التنقل والسفر وحمل أمتعتهما عليه.

وبينما هما في الصحراء في إحدى رحلاتهما، نفق الحمار، فحزنا عليه حزنًا شديدًا، وقاما بدفنه، وأخذا بالبكاء، فرآهما الناس على هذه الحالة، فظنوا أنّ رجلاً صالحًا أو وليًّا هو المدفون في هذا القبر، فاستغل هذان الرجلان الموقف وأوهما الناس أن الذي بداخل الحفرة ولي من أولياء الله، ثم قاما ببناء قبة على القبر، ليكتمل المشهدُ ويصبح الاحتيالُ "مكتملَ الأركان"، وأخذ الناس بزيارة ضريح "الرجل الصالح" أبي الصبر، وأخذت أموالهم ونذورهم تتدفق عليه.

وفي إحدى المرات، نشب خلاف بين هذين المحتالين، فقد كان أحدهما يشك بالآخر بأنه يخونه ويستولي على شيء من الأموال دون علمه، فهدّده بأنه سيطلب من الولي المدفون في القبر بأن ينتقم منه، فضحك الآخر، وسخر من كلامه قائلاً: "نسيت الحمار؟ ده إحنا دافنينه سوا".

مصادر ومراجع المادة

نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب محطات تاريخية

صراعات على الزعامة والمشيخة
محطات تاريخية

صراعات على الزعامة والمشيخة

تعدّ الخلافات والصراعات على الزعامة والمشيخة جزءًا لا يتجزّأ من المشهد الصوفي، فمِن وقت لآخر، وما إن يُعلَن عن وفاة شيخٍ من شيوخ الطرق الصوفية في بلدٍ ما حتى تندلع على الفور معركة خلافته بين عدد من الطامحين نحو المال…

هيثم الكسواني3 دقائقالعدد 10
محطات تاريخية
محطات تاريخية

محطات تاريخية

لا نكشف سرًّا إذا قلنا إنّ التصوف هو مرتع للخرافة والجهل والسلبية، فالتصوف اختطّ لنفسه خطًّا بعيدًا عن العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة، وغرق في أوهام وجهالات لا حصر لها.وفي هذه المحطة نتحدث عن خرافة من خرافات…

هيثم الكسواني3 دقائقالعدد 9
الصوفية والبطش بمخالفيهم
محطات تاريخية

الصوفية والبطش بمخالفيهم

ارتبطت صورة الصوفي لدى البعض بالدرويشِ المسالم، والزاهدِ العابد، المعرضِ عن الدنيا وزينتِها، لكن الحقيقة في بعض الأحيان مختلفة تمامًا، فالصورة التي نحن بصدد الحديث عنها في هذه المحطة التاريخية هي للصوفي الذي يبطش…

هيثم الكسواني3 دقائقالعدد 8

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل