التعريف بالمؤلف
هو نور الدين عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الجامي (817هـ - 898هـ)، من علماء القرن التاسع الهجري وأدبائه، جمع بين الاشتغال بالعربية والتأليف في التصوف. وعاش في هراة، ومن مصنفاته «نفحات الأنس»، و«الفوائد الضيائية» في شرح كافية ابن الحاجب، وشرح «فصوص الحكم».
تمهيد
تحتل قضية وحدة الوجود مكانة بارزة في تاريخ التصوف النظري، لما ارتبط بها من مباحث دقيقة تتصل بحقيقة الوجود، والذات والصفات، والأسماء الإلهية، ومراتب التجلي والتعين، والعلاقة بين الحق سبحانه وتعالى والعالم. وقد تعددت صور تناول هذه القضية عند المتصوفة، ولا سيما في المدرسة التي تأثرت بتراث الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، ثم عند مَن جاء بعده شارحًا ومفسرًا ومفصلًا لمصطلحاته.
ومن النصوص التي تستحق الدراسة في هذا السياق رسالة «وحدة الوجود»([1]) المنسوبة إلى الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الجامي، نور الدين.
تكشف مؤلفات الجامي عن تنوع اشتغاله العلمي، وعن عنايته بالتراث الصوفي ومباحثه النظرية، وهي عناية تجعل قراءة النصوص المنسوبة إليه محتاجة إلى فهم اصطلاحاته، مع إخضاع مضامينها للفحص والنقد.
وتظهر أهمية الجامي في أنه لم يكن مجرد ناقل لعبارات المتقدمين، وإنما كان صاحب اشتغال واسع بمباحث الوجود والأسماء والصفات والتجلي والإنسان والعالم. وقد انعكس هذا الاشتغال في عدد من مؤلفاته، ولا سيما ما اتصل منها بشرح كتب ابن عربي وفصوص الحكم.
ومن ثم فإن قراءة «رسالة وحدة الوجود» لا ينبغي أن تكون بمعزل عن هذا السياق الفكري؛ فالرسالة تنتمي إلى مرحلة ناضجة من التصوف النظري، وتظهر فيها بوضوح المصطلحات التي أصبحت جزءًا من البناء الأكبري: الأحدية، الواحدية، الأسماء، الصفات، الأعيان، الربوبية، التعيّن، التجلي، والفناء.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية من حيث إنها لا تكتفي بذكر مصطلح وحدة الوجود، بل تحاول بناء تصور متكامل له من خلال ثلاث مراتب رئيسة هي: الحضرة الأحدية، والحضرة الواحدية، وحضرة الربوبية، ثم تربط هذه المراتب بالأسماء والصفات، وتجعل الأسماء السبعة([2]) محورًا مهمًا في تفسير كيفية تعلق الربوبية بالعالم.
وتكشف الرسالة كذلك عن محاولة للانتقال من الكلام المجمل عن «الوحدة» إلى بناء نظري يفسر كيف تظهر الكثرة مع بقاء الوحدة، وهي من أعقد المسائل التي واجهت التصوف الفلسفي.
حقيقة الذات والحضرة الأحدية
يفتتح الجامي رسالته بمناقشة حقيقة الذات الإلهية، فيقول: «فإن حقيقة الذات غير مضبوطة لأنها من حيث هي كذلك لا وصف لها ولا اسم ولا رسم»، وهذه العبارة هي المفتاح الأول لفهم البناء النظري للرسالة.
فالجامي يميز بين الذات من حيث هي ذات وبين الذات من حيث ظهور الصفات والأسماء والتعلقات. وهو لا يقصد بذلك نفي الأسماء والصفات، وإنما يتحدث عن الذات من حيث التجرد عن التعيّنات.
ثم يقول: «إذ لا يمكن معرفتها بوجه من الوجوه ما لم تتعين بصفة، وأول التعيّنات علمها بذاتها». ويظهر هنا مفهوم التعيّن، وهو من المصطلحات الأساسية في التصوف النظري.
فإذا كانت الذات من حيث الإطلاق لا يحيط بها وصف ولا رسم، فإن أول ما يظهر في مقام التعيّن هو العلم. ومن هنا يبدأ الانتقال من الوحدة المطلقة إلى مرتبة الأسماء والصفات.
ويؤسس الجامي بذلك لما يسميه الحضرة الأحدية، وهي المرتبة التي لا يظهر فيها التعدد. ثم ينتقل إلى الحضرة الواحدية، حيث تظهر الصفات والأسماء.
وهذا التقسيم يؤدي وظيفة أساسية في محاولة الجامي تفسير الكثرة؛ فالكثرة ليست عنده تعددًا في الذات، وإنما تعدد في الأسماء والصفات والتعينات.
من الواحدية إلى ظهور الأعيان
بعد الحديث عن الذات والتعين، ينتقل الجامي إلى علاقة الصفات الإلهية بالأعيان. ومن العبارات المهمة في هذا الموضع قوله: «كالقادرية على إيجادها والمشيئة لها والتكلم معها بخطاب كن فيكون والسمعية ... والبصرية بشهودها». فالجامي يربط ظهور الأعيان بصفات القدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والعلم.
ومن هنا يمكن ترتيب البناء الذي يقدمه على النحو الآتي: الذات ثم الصفات ثم الأسماء ثم الربوبية ثم الأعيان والعالم.
وهذا الترتيب مهم جدًا؛ لأنه يوضح أن العالم لا يظهر في التصور الذي يقدمه الجامي بوصفه أمرًا منفصلًا عن نظام الأسماء والصفات، وإنما هو موضع ظهور آثارها. وعند هذه النقطة يبدأ الحديث عن الأسماء السبعة.
الأسماء السبعة أو الأئمة السبعة
من أبرز مباحث الرسالة حديث الجامي عن الأئمة السبعة، وهي: الحي، والعالم، والمريد، والقادر، والسميع، والبصير، والمتكلم.
وقد نص الجامي على ذلك صراحة بقوله: «الأئمة السبعة وهي: الحي العالم المريد القادر السميع البصير المتكلم». وهذه الأسماء تمثل محورًا مهمًا في البناء الذي يقيمه الجامي.
لكن من المهم جدًا ألا يفهم القارئ من عبارة «الأسماء السبعة» أن أسماء الله الحسنى محصورة في سبعة أسماء؛ فالجامي نفسه ينفي هذا الفهم، ويقول: «والأسماء لا تحصرها كثرة لكنها مع لا تناهيها تنحصر في السبعة لأنها جزئياتها وفروعها المتشعبة فيها».
ومعنى ذلك أن الجامي يتحدث عن أصول نظرية يمكن رد الأسماء الكثيرة إليها، لا عن عدد أسماء الله تعالى. وتحت كل واحد من هذه الأسماء، بحسب تصوره، أسماء أخرى كثيرة، بل غير متناهية، وهي تتعلق بالربوبية والأفعال. وهنا تصبح الأسماء السبعة مفاتيح لفهم كيفية تعلق الصفات والأسماء بالعالم.
ترتيب الأسماء السبعة
لا يكتفي الجامي بذكر الأسماء السبعة، بل يناقش ترتيبها وأولوية بعضها. ومن عباراته: «وفي الحقيقة العالمية تقتضي أن يكون الاسم العالم إمام الأمة لتقدم العلم على الإرادة وسائرها سوى الحياة المصححة للعلم». ويكشف هذا النص عن محاولة لإقامة ترتيب منطقي بين الصفات.
فالحياة شرط في تحقق العلم والإدراك، لكن العلم له منزلة خاصة؛ لأن الإرادة والقدرة وغيرهما تتعلق بالمعلوم، ولذلك يناقش الجامي أولوية اسم العالم. وهذه المناقشة تؤكد أن الأسماء السبعة ليست قائمة اعتباطية، وإنما هي جزء من نظرية متكاملة في الصفات والتعلقات.
الحضرات الثلاث
يمكن اعتبار تقسيم الوجود إلى ثلاث حضرات من أهم أركان الرسالة:
أ- الحضرة الأحدية: وهي مرتبة الوحدة المطلقة التي لا يظهر فيها تعدد الاعتبارات.
ب- الحضرة الواحدية أو الإلهية: وفيها تظهر الأسماء والصفات والتعينات.
ج- حضرة الربوبية: وفيها تتعلق الأسماء والصفات بالمربوبات، وتظهر آثارها في العالم.
ويشير الجامي إلى ذلك بقوله: «فحضرة الربوبية متأخرة على الحضرة الإلهية تأخرها... عن حضرة الذات». والمراد بالتقدم والتأخر هنا ليس التقدم الزمني؛ فالجامي لا يتحدث عن مراحل زمنية مرّ بها وجود الله سبحانه وتعالى، وإنما يتحدث عن مراتب اعتبارية في البناء الصوفي.
ومن ثم يمكن تصور البناء هكذا: الأحدية ثم الواحدية ثم الربوبية.
وهو بناء يفسر كيفية انتقال الحديث من الوحدة المطلقة إلى تعدد الأسماء والصفات ثم إلى آثارها في العالم.
الأسماء السبعة والكواكب السبعة
من أكثر أجزاء الرسالة خصوصية انتقال الجامي من الأسماء الإلهية إلى النظام الكوني، فيقول: «فاقتضت الأئمة الكواكب السبعة السيارة مع أفلاكها وجعلتها الرؤساء والسادات في تدابير أمور الدنيا وسخرتها بأمر الله تعالى». ثم يستشهد بقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29].
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن الجامي يتحرك داخل تصور كوني ينتمي إلى بيئته الفكرية والتاريخية، وليس إلى علم الفلك الحديث. فالكواكب السبعة في النص مرتبطة بنظام رمزي يقوم على المقابلة بين: الأسماء السبعة والكواكب السبعة. وهذه المقابلة تعكس رغبة الجامي في تفسير العالم من خلال نظام من المراتب المتناظرة.
قراءة نقدية لنص الأسماء السبعة
يُعد نص الأسماء السبعة من أهم النصوص التي ينبغي الوقوف عندها؛ لأنه يجمع بين اللغة الصوفية واللغة الكلامية، فعندما يقول الجامي: «الأئمة السبعة وهي: الحي العالم المريد القادر السميع البصير المتكلم»، فهو يستخدم «الإمامة» استخدامًا اصطلاحيًا، بحيث تصبح الأسماء السبعة أصولًا تنتظم تحتها بقية الأسماء.
ويؤكد ذلك بقوله: «والأسماء لا تحصرها كثرة لكنها مع لا تناهيها تنحصر في السبعة لأنها جزئياتها وفروعها المتشعبة فيها». وهذا النص في غاية الأهمية؛ لأنه يوضح أن العدد (سبعة) عدد تصنيفي نظري وليس عددًا حصريًا لأسماء الله الحسنى.
ومن جهة أخرى، يربط الجامي هذه الأسماء بالصفات المعروفة في علم الكلام: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام. وهذا يجعل رسالته تقف في منطقة مشتركة بين علم الكلام والتصوف النظري، وإن كانت تعيد صياغة هذه الصفات داخل نسق صوفي يقوم على التعين والربوبية.
قراءة نقدية لنص الكواكب السبعة
يقول الجامي: «فاقتضت الأئمة الكواكب السبعة السيارة مع أفلاكها وجعلتها الرؤساء والسادات في تدابير أمور الدنيا وسخرتها بأمر الله تعالى». هذا النص يكشف بوضوح عن تصور كوني متأثر بالمعرفة الفلكية التي كانت متداولة في عصر المؤلف. لكن ينبغي التفريق بين دراسة النص تاريخيًا وبين الحكم العلمي على التصور الفلكي.
فالمهم في الدراسة التاريخية أن نلاحظ أن الجامي لم يذكر الكواكب السبعة بمعزل عن الأسماء السبعة، بل أقام نوعًا من التناسب بين العالم الإلهي والعالم الكوني. وهذا يوضح أن وحدة الوجود عنده ليست بحثًا في الذات الإلهية وحدها، بل محاولة لبناء تصور شامل يفسر الوجود كله.
حساب الأيام والسنين
يواصل الجامي هذا البناء الرمزي في حديثه عن الزمن، فيجعل أيام الدنيا سبعة، ويربط كل يوم بأحد الأئمة السبعة، ويجعل مقدار اليوم ألف سنة، ثم يصل إلى تسع وأربعين ألف سنة، ثم ينتقل إلى الخمسين ألف سنة مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4].
وهذا الموضع من النص مهم لأنه يكشف طبيعة المنهج الذي يستخدمه، فهو لا يتعامل مع الأرقام باعتبارها مجرد أرقام، وإنما يوظفها في بناء نظام رمزي للمراتب الكونية. فالسبعة ترتبط بالأسماء، والأسماء ترتبط بالكواكب، ثم يرتبط ذلك بالأيام والسنين، ثم تُقرأ الآيات القرآنية داخل هذا النظام. ومن هنا يجب على الباحث ألا يقدم هذا الكلام على أنه تفسير علمي للزمن أو الفلك، وإنما باعتباره جزءًا من التأويل الصوفي الرمزي الذي يميز الرسالة.
وحدة الوجود وتحقيق السالك
تصل الرسالة في نهايتها إلى الجانب المعرفي والصوفي من القضية، فيقول: «وإذا تحققت يا أيها السالك بتحقيق وحدة الوجود على التفصيل المذكور في الحضرات الثلاث: الأحدية والواحدية والربوبية وامتداداتها»، وهذه العبارة بالغة الأهمية؛ لأنها تبين أن وحدة الوجود عنده ليست مجرد مسألة فلسفية مجردة، وإنما هي أيضًا تحقيق ومقام معرفي للسالك.
فالسالك، في التصور الذي يعرضه، لا يكتفي بمعرفة المصطلحات، وإنما يصل إلى إدراك العلاقة بين الحضرات والمراتب. لأنه يورد بعدها «أنا أقل من ربي بسنتين»، ويفسرها في إطار نظامه للمراتب والأزمنة، بحيث يجعل الموجودات والعوالم مرتبطة بسنة الربوبية، وما قبلها بمرتبة الأحدية والواحدية.
وهنا تظهر مرة أخرى ضرورة قراءة النص في سياقه؛ فالعبارة لا ينبغي فصلها عن النظام الاصطلاحي الذي بناه الجامي قبلها.
تحليل مفهوم وحدة الوجود عند الجامي
من خلال مجموع النص يمكن القول إن الجامي يحاول الإجابة عن سؤال أساسي: كيف تظهر الكثرة في عالم المخلوقات مع بقاء الوحدة الإلهية؟
ولا يقدم الجواب بالقول إن الذات الإلهية متعددة، بل يجعل الكثرة في الأسماء والصفات والتعينات والنسب والآثار. فالذات في الحضرة الأحدية لا تعدد فيها، ثم تظهر الأسماء والصفات في الحضرة الواحدية، ثم تتعلق هذه الأسماء والصفات بالمربوبات في حضرة الربوبية. وهكذا يصبح العالم في التصور الذي تقدمه الرسالة مرتبطًا بمراتب الأسماء والصفات.
خاتمة
الجامي لا يتعامل مع وحدة الوجود بوصفها مجرد شعار، وإنما يقيم حولها نظامًا متكاملًا من المصطلحات يبدأ بالذات، ثم التعين، ثم الأسماء والصفات، ثم الحضرات، ثم الربوبية، ثم العالم.
ومن ثم فإن القيمة العلمية الأساسية لهذه الرسالة تتمثل في كونها نصًا مكثفًا يجمع بين التصوف النظري، ومباحث الأسماء والصفات، ونظرية التعين، والتفسير الإشاري، والتصور الكوني الرمزي، لتكون شاهدًا مهمًا على تطور التصوف النظري في القرن التاسع الهجري.




