مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
شبهات تحت المجهر

الاستغاثة في الميزان العقدي: دراسة تأصيلية في المشروع والممنوع

د. محمد بن متعب البشري 8 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 0
الاستغاثة في الميزان العقدي: دراسة تأصيلية في المشروع والممنوع

الاستغاثة حق لله عز وجل:

تُعَدُّ الاستغاثة من المسائل العقدية الدقيقة التي يتأكد فيها تحقيق توحيد الله تعالى؛ إذ هي في حقيقتها طلب الغوث والعون عند الشدائد، ولا خلاف بين أهل العلم أن الأصل فيها أن تكون لله سبحانه وتعالى وحده؛ لأنه المتفرد بالقدرة المطلقة والتصرف الكامل في الكون، فلا مغيث على الحقيقة إلا هو، وكل غوثٍ فمن عنده وبإذنه، وقد دلَّت النصوص الشرعية على ذلك دلالة واضحة، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9].

كما أمر سبحانه عبادَه بدعائه وجعل ذلك من أعظم العبادات فقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وفسّر الدعاء هنا بالعبادة، مما يدل على أن الاستغاثة عبادة محضة يجب صرفها لله وحده لا شريك له، كما أن المخلوق لا يملك شيئًا من التصرف الكوني استقلالًا، فلا يُطلب منه ما هو من خصائص الربوبية، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: 22]، ومن أصول العبودية العظيمة التي دعا إليها الإسلام أن يكون العبد متعلقًا بربه في حاجاته وشدائده، وأن يفزع إليه وحده عند نزول الكرب والفاقة، فلا يجعل قلبه معلقًا بالمخلوقين؛ بل يتوجه إلى الخالق سبحانه وتعالى الذي بيده خزائن السماوات والأرض، قال ﷺ: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك له بالغنى؛ إما بموت عاجل أو غنى عاجل»([1])، فـ«إنزال الفاقة بالناس» يعني جعل الشكوى إليهم والاستغاثة بهم في كشف الضر، مع الإعراض عن التوجه إلى الله والافتقار إليه.

وقد جسّد الأنبياء هذا المعنى أتمّ تجسيد، فهذا يعقوب عليه السلام، عندما اشتد عليه الحزن بفقد ابنيه لم يشكُ حاله إلى الخلق، بل قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، فكانت شكواه إلى ربه الذي يعلم السر وأخفى، ويملك كشف الضر وجلب النفع، كما أمر الله تعالى نبيّه ﷺ وأمّته من بعده بقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]، أي اجْعل رغبتك وقصدك وتعلق قلبك بالله وحده، فهو الملجأ والمرجع في كل أمر.

ومن أعظم الوصايا النبوية في هذا الباب ما قاله النبي ﷺ لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعِن بالله»([2])، وهي وصية جامعة ترسّخ في قلب المسلم معنى التوحيد والاعتماد على الله، وتربّيه على الثقة بربه وحسن الظن به، وقد فهم السلف الصالح هذا المعنى حق الفهم، حتى إن الفضيل بن عياض رحمه الله رأى رجلًا يشكو إلى رجل، فقال له: «يا هذا، أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك»([3])، وهي كلمة بليغة تذكّر المؤمن بأن الرحمة الحقيقية والفرج الحقيقي إنما يُطلبان من الله سبحانه وتعالى، وأن اللجوء إلى الله، وبث الشكوى إليه، وإظهار الافتقار بين يديه، من أعظم أسباب تفريج الكروب وقضاء الحاجات، أما التعلق بالمخلوقين والاعتماد عليهم اعتمادًا قلبيًا، فإنه يورث الخيبة والضعف؛ لأنهم؛ لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله([4]).

الاستغاثة الجائزة بالمخلوقين:

ومع هذا الأصل العظيم، فقد جاءت الشريعة بجواز نوع من الاستغاثة لا ينافي التوحيد، وهو الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، إذا كان حيًّا حاضرًا قادرًا على الإغاثة، وهذا داخل في باب الأخذ بالأسباب المشروعة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: 15]، حيث استغاث الرجل بموسى، عليه السلام، فيما يقدر عليه من دفع الظلم، وهذا النوع لا يختص بالأنبياء؛ بل يشمل عامة الناس؛ بل قد يقع حتى مع غير المسلمين في الأمور الدنيوية، ما دام في دائرة القدرة البشرية المعتادة، ولا يتضمن تعلقًا قلبيًا يناقض التوكل على الله.

ومن هذا المنطلق فُهمت النصوص الواردة في النهي عن بعض صور السؤال والاستغاثة، إذ إن المقصود منها النهي عن طلب ما لا يقدر عليه إلا الخالق، لا مطلق الطلب من الناس فيما يقدرون عليه، ويؤكد ذلك أن الطالب قد يعتقد قدرة المسؤول على قضاء حاجته بينما يكون الأمر في الحقيقة خارجًا عن حدود استطاعته.

كما وقع في حياة النبي ﷺ غير مرة؛ فقد كان بعض الناس يسألونه أمورًا لا يملك تحقيقها، سواء من أهله أو من غيرهم، ومِن ذلك ما وقع في غزوة تبوك حين جاءه قوم يطلبون منه ما يحملهم عليه للجهاد، فلم يجد ما يحقق لهم طلبهم، فنزل قوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلتَ لا أجدُ ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: 92]، فلم يتم إجابة طلبهم بسبب عدم توفر الوسيلة لا عن امتناع منه، وكذلك ما ثبت في الصحيح من مجيء أبي موسى الأشعري وأصحابه الأشعريين إلى النبي ﷺ يلتمسون منه ما يحملهم عليه، فقال: «والله ما أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه»([5])، مع أن هؤلاء من خيار الصحابة، وقد ظنوا أن عنده ما يقضي به حاجتهم، بينما لم يكن الأمر كذلك.

ومن الشواهد أيضًا ما وقع لفاطمة، رضي الله عنها، حين جاءت تسأل أباها خادمًا، فلم يعطِها ما طلبت، بل أرشدها إلى ما هو أنفع لها من التسبيح والتحميد والتكبير([6])، مما يدل على أن المسؤول قد لا يملك تحقيق المطلوب أو قد يرى للسائل ما هو أصلح من مطلوبه.

وقد أرشد القرآن الكريم إلى المنهج الواجب اتّباعه عند العجز عن تلبية حاجة السائل، فأمر بالإحسان إليه، والقول المعروف، وعدم نهره أو إهانته، كما في قوله تعالى: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمةٍ من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسورًا﴾ [الإسراء: 28]، وقوله سبحانه: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى﴾ [البقرة: 263]، وقوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر* وأما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: 9-10]، فدلّ ذلك على أن العجز عن إعطاء السائل لا يرفع واجب معاملته بالحسنى.

كما أن الوقائع النبوية تبين أن الناس قد يسألون ما يدخل في مقدور المسؤول، وقد يسألون ما لا يقدر عليه، ففي بعض الأحوال يستجيب المسؤول إذا كانت القدرة متحققة، كما وقع مع وفد هوازن حين طلبوا رد السبي والمال، فقال: «أحب الحديث إلي أصدقه ومعي من ترون، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال»([7])، فخيّرهم النبي ﷺ بين الأمرين بحسب ما كان يملكه من صلاحية التصرف، وفي أحوال أخرى يعجز عن تحقيق المطلوب أو لا تتوافر أسبابه، فيُحال الأمر إلى الله تعالى الذي بيده النفع والضر، وفي هذا السياق تبرز قصة أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، حين كتب إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أثناء وقعة اليرموك يستنصره ويخبره بكثرة جموع العدو وشدة الموقف، فرأى عمر أن الظروف لا تمكّنه من تقديم العون المطلوب، فكتب إليه موجهًا إياه إلى الاستعانة بالله تعالى والثبات في مواجهة العدو، مبينًا أن الفرج والمخرج إنما يكونان من عند الله سبحانه([8]).

بطلان الاستغاثة بالأموات

الميت انقطع عمله وانتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء، ولم يعد يملك التصرف في شؤون الأحياء أو إجابة مطالبهم أو دفع الضر عنهم، ومن ثم فإن توجيه الطلبات التي لا يقدر عليها إلا الله إلى أصحاب القبور، كطلب تفريج الكربات، أو شفاء المرضى، أو إنزال الغيث، أو قضاء الحاجات الغيبية، أو طلب المغفرة والهداية، يتعارض مع الأصل الذي دلت عليه النصوص الشرعية من وجوب إفراد الله تعالى بهذه المطالب، مع الإقرار بفضل الصالحين ومكانتهم والدعاء لهم والترحم عليهم دون أن تُنسب إليهم خصائص لا يملكها إلاّ الله سبحانه وتعالى.

وعدم التنبه للفارق بين الاستعانة بالحي القادر في حدود الأسباب وبين الاستغاثة بالميت فيما لا تدركه الأسباب أصلًا يفسر ظاهرة انتشار الاستغاثة بأصحاب القبور وطلب الحاجات منهم عند بعض المنتسبين إلى التصوف، فيصبح نداء الولي للميت عند نزول الشدائد وقصد قبره لطلب تفريج الكربات وقضاء الحاجات أمرًا مقبولًا في تصوره!

ويزداد هذا المعنى وضوحًا عند النظر في طبيعة الطلبات التي يتوجه بها بعض الناس إلى أصحاب القبور، فإن غالبها يتعلق بأمور غيبية أو بأسباب لا يملكها إلاّ الله سبحانه وتعالى، بينما النصوص الشرعية تقرر أن العبد إذا نزلت به شدة أو ألمّت به كربة فإن ملجأه الأول والأعظم هو الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].

العقل يدرك تناقض الاستغاثة بالأموات

ومن الناحية العقلية، فإن السمع والإدراك وسائر وسائل التواصل المعهودة بين الأحياء تتوقف على وجود الحياة والقدرة الحسية المرتبطة بها، والإنسان بعد موته تنتقل روحه إلى عالم البرزخ، وهو عالم مغاير لعالم الدنيا، تنقطع فيه الوسائل الطبيعية التي يتم بها تلقي الخطاب والاستجابة له، ولا لديه قدرة على إدراك حاجاتهم المتعددة والمتزامنة، ولا بيده تحقيق ما يطلبونه من كشف الضر وجلب النفع، وبالتالي فإن توجيه الطلب إليه يفتقر إلى الأساس العقلي الذي تقوم عليه سائر الطلبات الإنسانية.

فإن قيل إن النبي أو الولي يسمع جميع الداعين أينما كانوا، ويعلم أحوالهم المختلفة، ويقدر على إعانتهم، لزم من ذلك إثبات صفات تتجاوز الطبيعة البشرية المحدودة، وتقترب من خصائص القدرة الإلهية؛ لأن سماع الأصوات المتعددة في آن واحد، ومعرفة الحاجات الباطنة للخلق، والاستجابة لها عبر الأمكنة والأزمنة المختلفة، ليست من خصائص الإنسان المعهودة، لا في حياته ولا بعد مماته.

وإن قيل إن الولي ليس فاعلًا مستقلًا وإنما هو مجرد واسطة، فإن هذا الجواب لا يحل الإشكال العقلي؛ لأن الوساطة نفسها لا تكون معقولة إلاّ إذا ثبت أن الوسيط يدرك الطلب ويملك وسيلة إيصاله، وإلا كان توجيه الخطاب إليه لغوًا لا يختلف عن توجيهه إلى من لا يسمع ولا يعلم؛ ولهذا فإن أصل الإشكال لا يكمن في مجرد وجود الوساطة، وإنما في نقل الطلب من دائرة الأسباب المشهودة التي جرت بها سنن الحياة إلى دائرة الغيب دون دليل يثبت صلاحية هذا المنتقَل إليه لأن يكون محلًا للطلب والدعاء، ومن هنا يظهر أن منشأ هذا المسلك يرجع في جانب كبير منه إلى الخلط بين ما يقدر عليه المخلوق وما لا يقدر عليه إلا الله، وأن المحافظة على هذا التمييز تمثل ضرورة عقلية قبل أن تكون مسألة دينية؛ لأن العقل السليم يأبى أن يُسوّى بين المحدود وغير المحدود، وبين العاجز بذاته والقادر على كل شيء، ويقضي بأن من كانت حاجته مما لا يملكه إلا الله فلا ينبغي أن يتوجه بها إلاّ إلى الله وحده.



مصادر ومراجع المادة

  • أبو داود، (1645)، والترمذي وصحّحه، (2326).
  • الترمذي، (2516)، وأحمد، (2803).
  • تاريخ ابن عساكر، 48/402.
  • الاستغاثة لابن تيمية، 1/275.
  • البخاري، (6623)، مسلم، (1649).
  • البخاري، (63188)، مسلم، (2727).
  • البخاري، (2607).
  • مالك في الموطأ، (6).
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب شبهات تحت المجهر

حديث «فيه ولدت وفيه أنزل عليَّ» بين دلالة النص ودعوى مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي
شبهات تحت المجهر

حديث «فيه ولدت وفيه أنزل عليَّ» بين دلالة النص ودعوى مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي

يستدل بعض القائلين بمشروعية الاحتفال بالمولد النبوي بحديث أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل عليَّ»([1])، ولا شك أن الحديث حديث صحيح ثابت، وأن النبي ﷺ أخبر عن فضل يوم…

د. محمد بن متعب البشري9 دقائقالعدد 10
شبهات تحت المجهر
شبهات تحت المجهر

شبهات تحت المجهر

يُعَدُّ التلقي من أهم القضايا المنهجية التي تميزت بها الاتجاهات الفكرية والفرق الإسلامية، إذ تتحدد من خلاله مصادر المعرفة الدينية ووسائل إثبات العقائد والأحكام، ومن القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا في هذا السياق اعتماد…

د. محمد بن متعب البشري5 دقائقالعدد 9
مقامات السالكين عند الصوفية: قراءة عقدية نقدية
شبهات تحت المجهر

مقامات السالكين عند الصوفية: قراءة عقدية نقدية

تناولنا في المقال السابق نموذجين يكشفان انحراف الصوفية في تطبيق مقامات السلوك، وهما نموذج قديم لابن عجيبة، ونموذج معاصر لإبراهيم زكي، ونواصل اليوم استعراض نماذج أخرى.ومن أبرز القضايا التي تثير الإشكال في هذا البناء…

د. محمد بن متعب البشري6 دقائقالعدد 8

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل