مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
خزانة الوثائق

خزّانة الوثائق

د. دعاء أحمد 8 دقائق قراءةربيع ثاني 1448 هـ — سبتمبر 2026 م 23
خزّانة الوثائق

ليست قيمة المخطوطات الإسلامية في قِدَم أوراقها، ولا في غرابة عناوينها، ولا في جمال خطوط ناسخيها فحسب؛ وإنما في قدرتها على أن تحفظ لنا صورةً من صور التفكير الديني والعلمي في عصور مضت، وأن تضع بين أيدينا نصوصًا يستطيع الباحث من خلالها أن يقارن بين ما كان يُقال بالأمس وما يُرفع شعاره اليوم.

ومن المخطوطات اللافتة في هذا الباب رسالة الإمام جلال الدين السيوطي التي وردت في مجموعة «رسائل صوفية مخطوطة «بعنوان: «أسرار الوجود المسمى الهيئة السَّنِيّة في الهيئة السُّنِّيّة«، بينما عُرفت في طبعات وفهارس أخرى بعنوان «أسرار الكون = الهيئة السَّنِيّة في الهيئة السُّنِّيّة .«وتنسبها النسخة المنشورة للسيوطي.

والمثير للاهتمام أن الرسالة أُدرجت في مجموعةٍ عُنونت بالرسائل الصوفية، إلا أن مضمونها لا يدور أساسًا حول الأذواق الصوفية، أو مقامات الأولياء، أو الفناء، أو وحدة الوجود، وإنما يدور حول الكون والخلق والعرش والكرسي والسماوات والأرضين والشمس والقمر والنجوم والرياح والجبال والبحار، من خلال الروايات والآثار التي جمعها السيوطي.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: فهذا النص – الذي صدر عن شخصية مقربة من التصوف على الأقل - حُفظ في سياق تراثي صوفي يجعل الكون من أوله إلى آخره مملوكًا لله، مخلوقًا بأمر الله، مدبرًا بإرادة الله؛ بينما نجد في بعض صور التصوف المعاصر توسعًا في ألفاظ الاستغاثة بالأموات وطلب المدد من الأنبياء والأولياء، حتى أصبحت عبارات من قبيل: «مدد يا رسول الله»، و«مدد يا حسين»، وطلب الغوث من الأولياء بعد موتهم تُدافع عنها بعض الخطابات الصوفية المعاصرة.

ومن هنا تأتي أهمية قراءة المخطوطة قراءة عقدية ناقدة من منظور أهل السنة: لا لتقديس السيوطي، وإنما لاستخراج ما في نصه من معانٍ تؤكد افتقار العالم كله إلى الله، ثم مقارنة ذلك بما طرأ على بعض الممارسات الدينية المعاصرة من توسع في صرف أنواع من السؤال والاستغاثة إلى غيره سبحانه.

 

ترجمة موجزة للإمام جلال الدين السيوطي (849هـ/911 هـ - 1445م/1505م):

هو أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر الخضيري السيوطي الشافعي، وُلد وتوفي بالقاهرة، ونشأ يتيمًا، وحفظ القرآن قبل بلوغه الثامنة، وحفظ «عمدة الأحكام» و«منهاج النووي» و«ألفية ابن مالك» وغيرها من المتون، ثم اشتغل بالحديث والتفسير والفقه واللغة والتاريخ وسائر علوم عصره.

قاربت مصنفاته الستمائة مؤلف، ومن أشهرها: «الإتقان في علوم القرآن»، و«تفسير الدر المنثور»، و«تاريخ الخلفاء»، و«الجامع الصغير»، وإتمام «تفسير الجلالين».

وقد عاش في بيئة علمية وصوفية مركبة، وله اختيارات واجتهادات خالفه فيها علماء آخرون. كما أن طريقته في جمع الروايات معروفة بكثرة الاستيعاب، وقد يورد الصحيح والضعيف وما يحتاج إلى تحرير. ومن هنا فالميزان ليس شخص السيوطي، وإنما الدليل من الكتاب والسنة وما صحّ عن السلف.

 

ما حقيقة «أسرار الوجود»؟

يفتتح السيوطي رسالته بقوله: »هذا كتاب في علم الهيئة، اقتبسته من الآثار، وتتبعته من الأخبار«، ثم يذكر أنه سماه »الهيئة السَّنِيّة في الهيئة السُّنِّيّة«، والمقصود بـ «علم الهيئة» هنا التصور القديم لبنية العالم والسماء والأرض وما يرتبط بها.

ويظهر من فهرس الرسالة أن السيوطي تناول العرش والكرسي، وما بين العرش والسماء السابعة، والسماوات السبع والأرضين، والشمس والقمر والنجوم، والليل والنهار، والهواء والرياح، والرعد والبرق والصواعق، والقوس، والجبال، والبحار، وغيرها.

فالكتاب في جوهره موسوعة أثرية صغيرة في وصف الكون، وليس كتابًا فلسفيًا يبني تصوره للوجود على الفيض، أو الحلول، أو الاتحاد، أو أن العالم هو تجلٍ للذات الإلهية. وهذه الملاحظة أساسية لفهم قيمته العقدية.

 

الكون في المخطوطة: خالق ومخلوق

أبرز ما يواجه القارئ في النص هو الفصل الواضح بين الله الخالق وبين العالَم المخلوق:

فالعرش مخلوق، والكرسي مخلوق، والقلم مخلوق، والسماوات مخلوقة، والأرض مخلوقة، والشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار كلها داخلة في عالم الخلق.

وينقل السيوطي في باب العرش آثارًا منها: »خلق الله أربعة أشياء بيده: آدم، والعرش، والقلم، وجنة عدن»، ثم يذكر أن سائر الخلق كان بقوله: «كن».

وفي باب بدء الخلق ينقل: »إن الله كان عرشه على الماء، وخلق السماوات والأرض بالحق، وخلق القلم«.

وهنا تظهر حقيقة مركزية في توحيد الإسلام: فالله ليس جزءًا من العالم، ولا العالم جزءًا منه، ولا الموجودات امتدادًا لذاته سبحانه؛ بل الله خالق، وما سواه مخلوق. وهذا هو الأصل الذي يهدم جميع التصورات التي تذيب الحد الفاصل بين الخالق والمخلوق، كما في عقيدة وحدة الوجود التي نادى بها ابن عربي والحلاج وغيرهما.

قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ]الزمر: 62]، فالكون كله – بما فيه الأنبياء والملائكة والأولياء والصالحون – داخل تحت اسم «المخلوق»، ورب العالمين وحده هو الخالق.

العرش والاستواء: دلالة أخرى في النص

ينقل السيوطي ضمن الروايات التي جمعها في باب الخلق: »إن الله خلق العرش فاستوى عليه«، كما يورد في وصف السماوات رواية فيها: »إن الله على عرشه؛ وعرشه على سماواته«، ولا يعني إيراد هذه الروايات الحكم بصحة جميع أسانيدها، وإنما تكمن أهميتها هنا في بيان الإطار العقدي للنص؛ فالرسالة لا تقدم تصورًا حلوليًا يكون فيه الرب حالًّا في المخلوقات، بل تبني خطابها على التمييز بين الرب سبحانه وبين خلقه. وهذا يتوافق مع ما تواتر في القرآن من ذكر استواء الرحمن على العرش: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ]طه: 5]. وأهل السنة يُثبتون ما جاءت به النصوص، من غير تمثيل ولا تكييف، مع تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ]الشورى:11].

 

ملاحظة منهجية ضرورية: ليست كل روايات المخطوطة صحيحة

فالسيوطي في هذه الرسالة جامع للروايات والآثار، وليس كل ما جمعه حجةً في العقيدة أو العلم، بل هو نفسه ينبّه ويشير إلى ضعف بعض المرويات؛ فهناك روايات يصف سندها بأنه واهٍ، كما أن المحقق يذكر في بعضها أنه لم يقف على تخريجها.

وفي الكتاب أخبار وأوصاف كونية مأخوذة من الإسرائيليات، ولا يصح جعلها حقائق علمية بمجرد وجودها فيه، لأن المقرر عند العلماء قبول ما صح عن رسول الله ﷺ في أمور الغيب فقط، وما كان من آثار السلف نظر في إسناده ودلالته، وما كان ضعيفًا أو من الإسرائيليات فلا تُبنى عليه عقيدة. وهذا المنهج يحمي تراث السيوطي نفسه من أن يتحول إلى مادة مقدسة لا يجوز نقدها.

 

أين تظهر المفارقة مع بعض التصوف المعاصر؟

حين ننتقل من تصور السيوطي الذي يجعل الخلق كله تحت سلطان الله وحده فقط، إلى أمثلة عديدة من الخطاب الصوفي المعاصر تظهر المفارقة بوضوح:

فالطريقة الصديقية الشاذلية مثلًا تعرّف نفسها رسميًا بأنها طريقة صوفية سنية، وتعلن التزامها بالشريعة الإسلامية، وفي الوقت نفسه نجد من شيوخها دفاعًا صريحًا عن عبارات مثل: «مدد يا رسول الله» و«مدد يا حسين»، والتي تشرك مع الله عز وجل أحدًا آخر في التحكم بالكون ولو كان أفضل الأنبياء.

وهنا تحديدًا يقع الخلاف العقدي الحقيقي، فالمشركون الذين واجههم القرآن لم يكونوا جميعًا ينكرون أن الله هو الخالق. قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ]لقمان: 25]، فالمشكلة لم تكن دائمًا في سؤال: من الخالق؟ بل في سؤال آخر: من تدعو؟ ومن تستغيث به؟ ولمن تصرف العبادة؟

ولهذا قال الله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ]الجن: 18]، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ]الأحقاف: 5]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ]الفاتحة: 5].

ومن هنا يقرر الاتجاه السني الأثري أن طلب الدعاء من الحي الحاضر القادر شيء، ونداء الميت والغائب وطلب الغوث منه شيء آخر، وأن مجرد القول بأن «الله هو الخالق الحقيقي» لا يجعل توجيه الدعاء إلى الميت مشروعًا.

 

المخطوطة وتوحيد التعلق

إذا أعدنا قراءة «أسرار الوجود» من هذه الزاوية فسنلاحظ شيئًا مهمًا للغاية: وهو غياب دور الأولياء والأقطاب عن تصور الوجود عند السيوطي! فهو يربط السماء، والعرش، والقلم، والرياح والأنهار، وتدبير الكون بأنها من خلق الله أو أمره أو تسخيره أو تدبيره سبحانه وتعالى.

فأين الأولياء الذين يدبرون الكون؟ وأين الأقطاب الذين تتوقف عليهم حركة العالم؟ وأين فكرة أن المدد الغيبي يُطلب من فلان وفلان؟ ليس هذا هو البناء الذي تقوم عليه الرسالة.

بل بناء رسالة السيوطي هو: الله يأمر، والمخلوق ينفذ. الله يخلق، والمخلوق مخلوق. الله يدبر، والمخلوق مفتقر. بينما في بعض صور التدين الصوفي المعاصر: فقد يُقر أصحابها نظريًا بأن الله خالق كل شيء، ثم تتجه ألسنة بعضهم في حال الشدة إلى مخاطبة الأموات بطلب الغوث والمدد.

 

المفارقة الكبرى: اسم «التصوف» لا يكفي لحفظ التوحيد

ربما كان أهم درس تقدمه هذه المخطوطة اليوم أن الانتساب إلى تراث ديني لا يضمن وحده سلامة الممارسة، فيمكن لجيل أن يحفظ الكتب ولا يحفظ مقاصدها، وأن يرفع أسماء العلماء لكنه لا يلتزم أصول الوحي التي كانوا يستدلون بها، وأن يتحدث طويلًا عن «الأسرار» و«الأنوار» و«الأولياء»، بينما الأصل الذي ينبغي أن يسبق ذلك كله هو:

لمن يكون الدعاء؟ لمن يكون الخوف والرجاء؟ ممن يطلب الغوث فيما لا يقدر عليه إلا الله؟

وهنا تأتي كلمة التوحيد لتعيد ترتيب المشهد كله: لا إله إلا الله.

ليست شعارًا صوفيًا، ولا سلفيًا، ولا حزبيًا، وإنما هي أصل الإسلام نفسه. ومعناها ليس مجرد الاعتراف بأن الله موجود أو بأنه خالق السماوات والأرض، وإنما إفراده سبحانه بالعبادة. فلا يُدعى دعاء عبادة إلا الله، ولا يُطلب كشف الكرب الغيبي إلا منه، ولا يُنذر إلا له، ولا يُذبح عبادة إلا له، ولا يُتعلق قلب العبد تعلق عبادة إلا به سبحانه.

خاتمة

تكشف قراءة «أسرار الوجود» للسيوطي عن نص تراثي شديد الارتباط بعالم الرواية والمأثور، يحاول صاحبه أن يرسم صورة للكون من خلال ما جمعه من الآيات والأحاديث والآثار، وهي تحمل معنى مركزيًا: الكون مخلوق لله، وتدبيره لله، وأمره لله.

في مفارقة واضحة مع بعض الخطاب الصوفي المعاصر الذي يمنح الصالحين سلطة التصرف والملك والتسخير للكون عبر طلب السؤال والمدد والاستغاثة بهم بعد موتهم.

ولهذا فإن التجديد الحقيقي لأي خطاب إيماني لا يكون بكثرة الحديث عن الأسرار والمقامات والأنوار، وإنما بالعودة إلى الأصل الذي جاءت به جميع الرسل: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: 84].

فإذا حُفظ هذا الأصل، استقام بعده طريق التزكية والعبادة، وإذا اختل هذا الأصل، فلن تصححه كثرة الأوراد، ولا الأسماء، ولا الطرق، ولا الانتساب إلى الأولياء، فالتوحيد قبل الطريق، والدليل قبل الذوق، والسنة قبل الوجد.

نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب خزانة الوثائق

قراءة في رسالة «وحدة الوجود» وأسئلة التصوف المعاصر
خزانة الوثائق

قراءة في رسالة «وحدة الوجود» وأسئلة التصوف المعاصر

التعريف بالمؤلفهو نور الدين عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الجامي (817هـ - 898هـ)، من علماء القرن التاسع الهجري وأدبائه، جمع بين الاشتغال بالعربية والتأليف في التصوف. وعاش في هراة، ومن مصنفاته «نفحات الأنس»، و«الفوائد…

د. دعاء أحمد9 دقائقالعدد 11
خزّانة الوثائق
خزانة الوثائق

خزّانة الوثائق

تمهيدتبدو رسالة (الدعاء بأسماء سور القرآن الكريم) في ظاهرها دعاءً منظومًا يجمع أسماء سور القرآن في سياق الثناء على الله ورسوله. غير أن قراءتها كاملة تكشف أنها تتجاوز الدعاء إلى تكوين حرز صوفي تنسب إليه آثار مخصوصة، مثل…

د. دعاء أحمد9 دقائقالعدد 9
فتح الحق في الجمع والفرق  قراءة عقدية ناقدة في اضطراب الميزان بين الوحي والذوق
خزانة الوثائق

فتح الحق في الجمع والفرق قراءة عقدية ناقدة في اضطراب الميزان بين الوحي والذوق

تفتح مخطوطة (فتح الحق في الجمع والفرق) بابًا واسعًا للنظر في واحدة من أخطر القضايا التي دار حولها الخلاف في كتب التصوف المتأخر، وهي قضية العلاقة بين العبد وربه، وبين الشريعة والحقيقة، وبين الأمر الشرعي وما يسمى عند…

د. دعاء أحمد11 دقيقةالعدد 8

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل