تطرقُ الأسماعَ في بعض المساجد، وتتداولها صفحاتُ التواصل الاجتماعي، وتُسطَّر في بطاقات التهاني والمناسبات، عباراتٌ من مثل: «يا أول خلق الله، يا نور عرش الله»، و«الخلقُ كلُّهم اتخلقوا علشانه، ومن نوره»([1])، وفي أوراد بعض الطرق، يُتلى بخشوع: «اللهم صلِّ وسلم على عين ذاتك العلية، بأنواع كمالاتك»([2]). وهذه العبارات إذا فُحصت دلالتها لا يمكن أن تُفهم على أنها مجرد مديحٍ عابر، ولم تكن مجرد مجاملاتٍ شعبية أو مبالغاتٍ لفظية؛ بل تكشف عن رؤيةٍ كاملةٍ للوجود، تجعل من النبي ﷺ مبدأً كونيًا سابقًا، ومن الخلق فيضًا صادرًا عن حقيقته. وقد وقفنا في المقال السابق على البنية الاصطلاحية لهذا المفهوم، وتبيّن لنا أن «الحقيقة المحمدية» عند التصوف الفلسفي لا تقصد شخص النبي ﷺ ولا سنته، بل إنها تحيل إلى مبدأ كوني سابق للوجود، تتفرع عنه مصطلحاتٌ مثل: العقل الأول، والروح الأعظم، والقلم الأعلى، والإنسان الكامل([3]).
غير أن وصفَ المصطلح وتفريعاته لا يكفي لبيان حقيقته؛ إذ يبقى السؤال الجوهري: من أين جاء هذا المفهوم؟ وهل يمكن تتبع جذوره ومنابعه حتى وإن كانت خارج السياق الإسلامي؟ وما الأثر الذي تركه في الممارسات العبادية المعاصرة للصوفية؟
إن الناظر في مدونات التصوف الفلسفي يلحظ أن أصحابها لا يستدلون على «الحقيقة المحمدية» بآيةٍ محكمة أو سنةٍ ثابتة، بل يردّونها إلى نوعٍ من الكشف الذي لا يخضع للتحقق، ولا يقوم على برهان. وقد قال ابن عربي معتذرًا عن غرابة هذا المذهب: «وهذا لا يعرفه عقلٌ بطريق نظر فكري، بل هذا الفن من الإدراك لا يكون إلا عن كشفٍ إلهي»([4]). ولما كانت دعوى الكشف لا تصلح حجةً علمية، وكانت تفتح الباب لادعاء كل متناقضٍ باسم المعرفة الباطنية، كان لا بد من تتبع أصول الفكرة خارج سياقها الصوفي، وهو ما يقودنا إلى أربعة مصادر كبرى.
أول هذه المصادر الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، التي بُني عليها نسقٌ كاملٌ في تفسير نشأة الكون، قوامُه أن العالم لم يصدر عن المبدأ الأول مباشرة، بل بواسطة سلسلة من الموجودات العقلية، تتقدمها جميعًا «العقل الأول»، ومنه تفيض النفس الكلية ثم العالم المادي([5]). وقد تسلل هذا التصور إلى الفكر الإسلامي عبر نصوص فلسفية مترجمة، من أخطرها ما عُرف خطأً بـ «أثولوجيا أرسطو»، وهو في الحقيقة مختصرات من أفلوطين، لا من أرسطو. وقد أثبت ذلك غير واحد من الباحثين؛ قال د. عبد الرحمن بدوي: «فيه نظريات الفيض والواحد التي ستلعب دورًا خطيرًا في التصوف الإسلامي»([6]). واللافت أن هذا الكتاب دخل إلى المكتبة الإسلامية بوصفه من كلام المعلم الأول، فخضع له المشتغلون بالفلسفة والتصوف، وظنوه حكمةً يونانيةً نبيلة، بينما كان في جوهره يحمل نظرية الفيض، التي ما إن استقرت في العقل الإسلامي حتى بدأت تتكيف مع ألفاظٍ جديدة.
وعند مقارنة النسقين نجد تطابقًا مذهلًا: فحين نضع الواحد ← العقل الأول ← النفس الكلية ← العالم في مقابل الذات ← الحقيقة المحمدية ← الأرواح ← العالم، ندرك أن المصطلح الثاني ليس إلا إعادة تسمية للأول، مع إسباغ هالة دينية عليه. وقد صرّح ابن عربي بهذا التماثل حين قال: «اعلم أن الحقيقة المحمدية مسماة بالعقل الأول»([7]).. فما كان عند اليونان «عقلاً أول» صادرًا عن الواحد، أصبح في أدبيات الصوفية «حقيقة محمدية» صادرة عن الذات، مع أن المضمون الفلسفي واحد.
وإذا كانت الفلسفة اليونانية قد منحت المفهوم بنيته الميتافيزيقية، فإن الفكر النصراني منحه لغته اللاهوتية، وكان المصدر الثاني. ففي إنجيل يوحنا: «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ»([8]). وهذه «الكلمة» التي هي وسيط الخلق عند النصارى، قد تحولت عند الصوفية إلى «الحقيقة المحمدية» أو «النور المحمدي»، التي يزعمون أنها كانت في القدم، وبواسطتها خُلق العالم، وبها ظهرت الأنبياء([9])، وقد أشار إلى ذلك أبو العلا عفيفي بقوله: «وليست نظرية الصوفية فيما يسمونه النور المحمدي... سوى صورة من صور النظرية المسيحية في المسيح الذي يطلقون عليه اسم الكلمة»([10]). ولم يقف التأثر عند البنية الفكرية، بل امتد إلى الألفاظ، إذ تسللت مصطلحات «اللاهوت والناسوت» إلى التعبيرات الصوفية([11])، فيظهر أثر العقيدة المسيحية في صياغة علاقة «الحقيقة» بالوجود الإنساني. وكما أن النصارى ألّهوا المسيح بزعم أن اللاهوت اتحد بالناسوت، كذلك جرى التصور الصوفي للنبي ﷺ ثم للولي والقطب، فانفتح باب تأليه المخلوقات.
ثم جاءت الإسماعيلية الباطنية ثالثاً لتضيف إلى هذا النسق عنصرًا تنظيميًا، إذ حوّلت المفهوم الفلسفي إلى نظام وساطةٍ بشري مستمر([12]). فقد كان الإسماعيليون يزعمون أن الله منزّهٌ عن كل اسمٍ وصفة، وأن الصفات الإلهية إنما تنصرف إلى «العقل الأول»، الذي يتمثل في الأرض في شخص الإمام المعصوم. وقد انعكس هذا التصور في التصوف الفلسفي حين حلّ «القطب» محل الإمام، و«الغوث» محل الأساس، مع الإبقاء على الفكرة نفسها: وجود إنسانٍ كاملٍ في كل زمان يظهر فيه المعنى الإلهي. وقد شهد ابن خلدون بهذا التمازج بين الفريقين فقال: «فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم»([13])، ويُفهم من هذا أن بنية الوساطة التي تجعل من القطب مظهرًا للحقيقة هي امتداد لبنية الإمامة الباطنية، وأن الفارق بينهما في الأسماء لا في المضمون.
وأما المصدر الرابع، فهو الفكر الزرادشتي الفارسي القديم، الذي آمن بوجود «إنسانٍ أول» أو «نورٍ أزلي» خُلق بواسطته الكون([14]). وقد ربط الباحثون بين هذا التصور وبين فكرة «الإنسان الكامل» و«النور المحمدي» في التصوف الإسلامي، حتى قال محمد مصطفى حلمي: «نستطيع أن نردّ ما قاله ابن الفارض في قدم الروح المحمدي وما قالته الإسماعيلية في قدم العقل الأول إلى مصدر زرادشتي هو أقدم عهدًا من هذه الأفكار كلها»([15]). وهذا يعني أن الجذر أعمق مما يتصور كثيرون، إذ يعود إلى معابد فارس القديمة، قبل الإسلام بقرون، ثم أُلبس لباسًا إسلاميًا.
فالمحصلة أن «الحقيقة المحمدية» لم تكن يومًا استنتاجًا من النصوص الشرعية، ولا كشفًا مستقلاً عن بيئة الفكر الإنساني، بل هي بنية مركبة من أربعة مصادر، اجتمعت على مبدأ واحد: افتراض مخلوقٍ قديمٍ وسيطٍ بين الله والخلق. وهذا المبدأ وإن تباينت ألفاظه وتعددت مظاهره، يفضي إلى نتيجة واحدة، وهي خلخلة التوحيد، وإشراك المخلوق في خصائص الربوبية.
فإذا كانت هذه هي منابع الفكرة، فما موقفها من النصوص الشرعية؟ وهل تسندها أدلةٌ معتبرة؟
إن زعمهم أن الله خلق الخلق لأجل الحقيقة المحمدية يصادم صريح قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فالآية تجعل علة الخلق هي العبادة، بينما علة الخلق عندهم هي الحقيقة المحمدية! وهذه مخالفة صريحة لخبر الله عن نفسه. وزعمهم أن أول المخلوقات هو نور النبي ﷺ يخالف الحديث الثابت: «إن أول ما خلق الله القلم»([16]). فالقلم مخلوق مأمور بكتابة المقادير، ليس له من الأمر شيء، فكيف ينقلب عندهم حقيقةً محمديةً؟!
وأما وصفهم الحقيقة المحمدية بأنها «حادثة أزلية» فجمع بين متناقضين، لأن الحادث مسبوق بالعدم، والأزلي لا أول له، ولا يستقيم في العقل ولا في الشرع. وهذا الخلط ناتج عن عدم التمييز بين الوجود الذهني والوجود الخارجي؛ فإن الشيء قد يُقدَّر في علم الله ويُكتب قبل وجوده، لكن لا يُقال إنه موجود في الخارج قبل أن يُخلق. وقد جاء القرآن قاطعًا في هذا الباب: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، و ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110].
وأما من حيث الروايات التي يعتمدونها، فإنها لا تثبت أمام قواعد المحدثين. فحديث «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» فموضوع باتفاق المحدثين([17])، وقد ألّف فيه بعض شيوخ الصوفية أنفسهم — وهو عبد الله الصديق الغماري — رسالة في بيان وضعه([18])، وحديث «أول ما خلق الله العقل» موضوع أيضًا([19])، وهو من كلام الفلاسفة.
أما حديث «كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد» فهو صحيح أو حسن، لكنه يدل على تقدير النبوة في علم الله، لا على وجودها الفعلي قبل خلق آدم؛ إذ النبي ﷺ لم يكن يعلم الكتاب ولا الإيمان قبل البعثة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48].
وبذلك يظهر أن ما يستندون إليه إما روايات موضوعة لا تصح، وإما رواية صحيحة مصروفة عن معناها الصحيح لتبرر لهم ما يرغبون في ترويجه!
ثم نأتي إلى الأثر المعاصر لهذه الأفكار، لنجد أن المفهوم لم يبقَ حبيس المصنفات، بل تسرب إلى الأوراد والصلوات والعبارات الشعبية. فتلك الصيغة التي تتردد في الطريقة التجانية: «اللهم صل وسلم على عين ذاتك العلية»([20])، ليست إلا التعبير العبادي عن فكرة «التعين الأول» التي قررها الجرجاني([21]). والصلاة العظيمة المتداولة في الطريقة الإدريسية، وفيها التوسل بنور الله الذي «قامت به عوالم الله»([22])، تحيل مباشرة إلى نظرية «النور المحمدي» بوصفه أصل الموجودات. ولا تقف هذه الأوراد عند حد التلاوة، بل تتحول إلى رابطةٍ كونية بين المريد وشيخه، إذ يظن أن شيخه مظهرٌ من مظاهر هذه الحقيقة، فيمنحه من التقديس ما لا يصرف إلا للأنبياء، وربما تجاوز ذلك إلى ما هو أعظم([23]).
وأما العبارات الشعبية من مثل «يا أول خلق الله، يا نور عرش الله»، فهي تلخيص عامي لعقيدة كاملة، يرددها عامة الناس ولا يعلمون جذورها. وحتى في قصيدة البردة المشهورة، نجد أبياتًا تنسب إلى النبي ﷺ خلق العالم وعلوم الغيب، كقول البوصيري: «فإن من جودك الدنيا وضرتها... ومن علومك علم اللوح والقلم»([24]). وقد تصدى لهذه الظواهر علماء من مدارس متعددة، منهم محمد رشيد رضا في تفسيره([25])، ومحمود شكري الألوسي في نقده لأبيات الغلو في البردة([26]).
وهكذا يتبين أن «الحقيقة المحمدية» بمعناها الفلسفي الصوفي ليست من الدين في شيء، بل هي دخيل منسوج من خيوط يونانية ونصرانية وباطنية وفارسية، ثم أعيد تسويقه بلغة المحبة النبوية. وإن محبة النبي ﷺ الصادقة تقتضي إنزاله في مرتبته التي أنزله الله إياها: عبدًا ورسولًا، لا مبدأ كونيًا ولا نورًا أزليًا. دون تفريطٍ يهدر مكانة النبي ﷺ، ولا إفراطٍ يرفعه فوق مقام العبودية، ويبقى للنبي ﷺ مقامه الرفيع: عبده ورسوله، عليه الصلاة والسلام.




