مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
افتتاحية العدد

تأملات في واقع الصلاة والموالد!

أسامة شحادة 3 دقائق قراءةربيع ثاني 1448 هـ — سبتمبر 2026 م 51
تأملات في واقع الصلاة والموالد!

ضجّت وسائط التواصل الاجتماعي بمقاطع مختلفة لفعاليات الموالد النبوية من مختلف البلدان، وذلك بفعل الخوارزميات التي تخرج لك المشابه لما شاهدته، وأيضا بفعل حملات إعلامية منظمة تهدف –غالبًا- لخلق انطباع عام مضلل عن ترسخ الموالد في واقع أمة الإسلام.

ومما لفت نظري تنافس منظمي هذه الحفلات في ابتكار طرق وأشكال وحركات وتصرفات عجيبة غريبة تكاد تصل لدرجة الترند!

فمنهم مَن يقفز في الهواء بشكل جماعي أو فردي منظم وغير منظم، أو يتمايل للأمام والخلف قيامًا أو قعودًا، ويلوّحون برؤوسهم وشعورهم الطويلة كالنساء! إلى من يستخدمون الآلات الموسيقية من دف أو طبل أو مزمار فضلا عمّن يُحضِر فرقة موسيقية كاملة! وبعض حفلاتهم يختلط فيها الرجال بالنساء، وأحيانًا تغني شابة محجبة ذات صوت رنان أمام تجمع كبير من الرجال، ويقابلها مغنيات غير محجبات لكنّهن يغنين في المولد أو الموالد!    

ويرافق هذا كله بعض الشخصيات هنا أو هناك ممن يرتدون ثيابًا عجيبة غريبة لتعرف وتشتهر، أو تخرج أصوات وصيحات نشاز لكي تلفت الأنظار.

وبعد طول تأمل في واقع هذه الموالد، تساءلت في نفسي: هل هذه الموالد بهذه الوضعية التي يقوم بها كثير من الطرق الصوفية ويشاهدها القاصي والداني من المرجعيات العلمية الداعمة للتصوف أو من عموم البشر، هل هذه الموالد مما يجذب الناس للإسلام ويحببهم به؟

مثلاً؛ سمعنا أن كثيرًا من غير المسلمين دخلوا الإسلام بسبب أنهم شاهدوا مسلمًا أو مسلمة يصليان في مكان ما، أو دخلوا مسجدًا، أو بسبب حسن تعامل زميل في الدراسة أو العمل أو السكن، سمعنا عمّن أسلم بسبب مشاهدته حرص المسلمين على النظافة مثلا.

لكن هل هناك من أسلم بسبب رؤيته ومشاهدته لمثل هذا "الحب" للنبي ﷺ؟

ثم استرسلت في تأملي: هل تشبه هذه التصرفات طبيعة الإسلام وعباداته، التي تتصف بالسكون والنظافة والوقار؟

وتذكرت حديث المصطفى ﷺ، الذي رواه جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟ اسكنوا في الصلاة" قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال: "مالي أراكم عزين" قال: ثم خرج علينا فقال: "ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربها"؟ فقلنا يا رسول الله، وكيف تصفّ الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمّون الصفوف الأول ويتراصون في الصف"([1]).

فلاحظ إنكار النبي ﷺ رفع الأيدي في الصلاة، والأمر بالسكون، والنظام في الصفوف، وقارن هذا بالفوضى المؤذية للعيون في الموالد النبوية المزعومة، والأصوات الصاخبة المزعجة فيها، ورفع الأيدي والعصي وغيرها، واختلاط الرجال بالنساء، في مناقضة تامة لهدي النبي ﷺ ولطريقة الإسلام في التعبد والسلوك!

بل إن أقرب وصف لحال الموالد هو ما جاء في كتاب الله عز وجل عن وصف عبادة المشركين في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ﴾ [الأنفال: 35]. أي صفير وتصفيق! أما ما تشاهده في بعض الموالد من حركات دائرية وسريعة أو تمايل لليمين واليسار فلا يشبه شيئًا مما ورد عن النبي المختار ﷺ، بل هو أشبه بما نشاهده في الأفلام الوثائقية عن طقوس الوثنيين في أفريقيا وآسيا.

إن كل العقلاء والعلماء الصادقين يتفقون على ركنية محبة النبي ﷺ وأن إسلام المرء لا يصح إلا بالتسليم لأمره ﷺ والإيمان بكل ما جاء به من الدين، وأن ذلك يتحقق بطاعته ﷺ، وأن هذه الموالد المنتشرة اليوم ليست دليل محبة ولا تعظيم له ﷺ لوحدها إذا خلت من المنكرات والفواحش والبدع والشرك، فكيف إذا وجدت فيها؟

ولذلك؛ المسلم الصادق في إيمانه وحبه للنبي ﷺ هو الذي يتعرف على سيرته وسنته، ثم يطبقها، ويبتعد عن كل ما نهى عنه النبي ﷺ وزجر، ويقدم في ذلك أركان الإيمان ثم أركان الإسلام، ويجتهد في النوافل والطاعات حتى يبلغ مرتبة الإحسان ويفتح الله عز وجل عليه من البركات، فلنشمر عن ساعد الجد والوقت، حتى نرافقه ﷺ في جنات النعيم.

مصادر ومراجع المادة

  • مسلم رقم (430)
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب افتتاحية العدد

جناية التصوف على مركزية العلم
افتتاحية العدد

جناية التصوف على مركزية العلم

من أوائل ما يقرره القرآن الكريم أن جنس الإنسان كُرِّم بالعلم "وعلّم آدم الأسماء كلها" [البقرة: 31]، وأن العلم صفة ملازمة لجنس الإنسان، لا تميز به أمة عن أمة مهما تباينت أحوالهم.ولأجل ذلك فإن مما تميز به دين الإسلام الذي…

أسامة شحادة5 دقائقالعدد 11
افتتاحية العدد
افتتاحية العدد

افتتاحية العدد

التوحيد هو العقيدة التي جاء بها كل الأنبياء عبر العصور، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وتكرر هذا المعنى في…

أسامة شحادة4 دقائقالعدد 9
مخالفة النبي ﷺ لا تكون طريقا للارتقاء!
افتتاحية العدد

مخالفة النبي ﷺ لا تكون طريقا للارتقاء!

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها [أي: عدُّوها قليلة]، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر الله له ما تقدم…

أسامة شحادة4 دقائقالعدد 8

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل