مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
افتتاحية العدد

جناية التصوف على مركزية العلم

أسامة شحادة 5 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 0
جناية التصوف على مركزية العلم

من أوائل ما يقرره القرآن الكريم أن جنس الإنسان كُرِّم بالعلم "وعلّم آدم الأسماء كلها" [البقرة: 31]، وأن العلم صفة ملازمة لجنس الإنسان، لا تميز به أمة عن أمة مهما تباينت أحوالهم.

ولأجل ذلك فإن مما تميز به دين الإسلام الذي عرفه الأنبياء جميعهم عليهم الصلاة والسلام، أنه يقوم على العلم الصحيح الذي علّمهم إياه الله عز وجل بالوحي المطهر، ففي قصة آدم أبي البشر عليه السلام، نجد قوله تعالى "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه" [البقرة: 37]، وفي قصة إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام حين خاطب أباه فقال: "يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتّبعني أهدك صراطًا سويًّا" [مريم: 43]، وخاطب ربنا عز وجل نبيّه محمدًا ﷺ فقال: "فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات" [محمد: 19]. 

 ولذلك كان مفتتح الرسالة المحمدية قوله تعالى: "اقرأ" [العلق: 1]، ومن هنا جاء الإسلام بدعوة البشرية جمعاء إلى العلم الحقيقي القائم على توحيد الله عز وجل بالطاعة والعبادة والمحبة والتعظيم، الذي بيّنه لنا رسول الله ﷺ "كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون" [البقرة: 151].

ومن لوازم هذا العلم بالتوحيد الرباني عمارة الأرض والاستخلاف فيها، ولا يكون ذلك إلا بعلم صحيح بسنن الله في خلقه، وهو ما طبقه المسلمون ردحًا من الزمن فأخرجوا هذه الحضارة والمدنية العظيمة.

والعلم الصحيح يقوم على مصادر سليمة هي في علوم الدين: الكتاب والسنة، وفهمهما بفهم النبي ﷺ وأصحابه كونهم التطبيق النموذجي للدين، وهذا يشمل طريقتهم في فهم اللغة العربية، وفهم القرآن والسنة الذي تطور لعنوان "علم أصول الفقه"، وتلقي الخبر، الذي تطور لعنوان "علوم الحديث"، وعلى هذا قامت أصول العلوم الشرعية والمذاهب الفقهية وعقيدة أهل السنة.

ولكن دخول التصوف -عبر الزمن- على الأمة الإسلامية تسبب بالجناية على مركزية العلم، عبر ثلاثة مسارات:

1- تحريف مصادر العلم: حيث تم اختراع دعوى أن القرآن والسنة لا يُفهمان بحسب لغة العرب ومعهود الصحابة والسلف، بل عبر مفهوم جديد يدّعي أن للقرآن باطنًا لا يعرفه إلا الخاصة! ثم تطور هذا الانحراف لظهور تفسير إشاري! يتجاوز قواعد اللغة للبحث عن إشارات في النص لا ميزان لها ولا ضوابط، فظهرت تفسيرات منحرفة نقضت التوحيد وهدمت الدين، وشابهت صنيع الفرق الباطنية المنحرفة كلها، كما فسّر ابن عربي قوله تعالى: "اتقوا ربكم" [النساء: 1]، بوحدة الوجود!!([1])  

وكثر في الصوفية الكذب على رسول الله ﷺ بزعم أنهم كذبوا له وليس عليه، رغم تحذيره الشديد من الكذب عليه بقوله: "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"([2])، ولذلك تمتلئ كتب الصوفية بالأحاديث الموضوعة والمكذوبة! ثم ابتدعوا تصحيح الحديث عبر الكشف وليس عبر قواعد علم الحديث!!

2- اختراع مصادر جديدة للعلم: ابتدع الصوفية مصادر جديدة للعلم كالكشف والعلم اللدني والإلهام والمنامات! يقول د. إبراهيم هلال: "ابن عربي يرى أن هناك نوعين من المعرفة، معرفة أهل الطريق، وهي كشف محقق لا يصل إليه صاحبه (إلا عن عمل وتقوى) وهي علم موهوب لا تتطرق إليه شبهة أو خطأ"([3]).

ويقول عبد القادر عيسى: "ولقد سمى الصوفية العلم الناتج عن الإلهام علمًا لدنيًا حاصلاً بمحض فضل الله وكرمه بغير واسطة عباده"([4]).

وهذه المصادر لا حقيقة لها ولا وزن في ميزان العلم الصحيح، وإنما هي أماني وأهواء يتخلّص بها المبطلون من أحكام الشريعة لما تهواه نفوسهم.

فتخيل يا رعاك الله فتح باب الاجتهاد في مسائل الاقتصاد المعاصرة للكشوف والإلهامات!؟ أو الإنصات للهواتف والمنامات للفصل في النوازل العصرية من الاستنساخ والذكاء الصناعي ونقل الأعضاء!؟ وهذا الباطل تصوره يكفي لرده.

3- محاربة العلم وتقديس الجهل: وأكبر جناية على العلم، هي ذم العلم والتعلم نفسه، ويقرر ذلك الغزالي بقوله " فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة"([5]).

حتى شاع بين الصوفية ذمهم لطلبة العلم، وخاصة علم الحديث الذي به يفسر كثير من القرآن الكريم وتعلم فروع الشريعة، واشتهر بين الصوفية مقولة باطلة لأبي يزيد البسطامي: "أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"! وهو كذب، إنما أخذوه عن الشيطان الرجيم، فتعارضت أقوالهم، وثبت بطلان كثير منها.

و"كان الشبلي يقول: إذا طالبوني بعلم الورق برزت عليهم بعلم الخرق"، وقد أفرد ابن الجوزي فصلًا لذم الصوفية للعلم([6]). ونختم بمقولة الجنيد: "أحب للصوفي أن لا يكتب ولا يقرأ، لأنه أجمع لهمه"([7])!!

هذه هي مسارات تجنّي الصوفية على العلم باختصار، وهي مسارات ظهرت منذ ظهور التصوف في تاريخ المسلمين ولا تزال تسري في واقع المتصوفة بواقع الحال دومًا واللسان أحيانًا.

وكان لهذه المسارات دور كبير في تحريف الدين أولاً، ونشر الشرك والخرافة والبدعة في جنبات المجتمعات الإسلامية ثانيًا، ونشر الفساد الأخلاقي والمسلكيات المنحرفة التي تمتلئ بها كتب الكرامات الصوفية ثالثًا، وساهمت بقوة في ضعف وتخلف المسلمين ماديًا رابعًا.

ومما يلخّص أثر التصوف السلبي على الحالة العلمية الإسلامية التأمل في واقع العلوم الإسلامية الشرعية والدنيوية، هل ساهمت (علوم التصوف) بأي شيء مفيد للعلوم الشرعية من الفقه والعقيدة واللغة والتجويد والحديث وغيرها؟ هل ساهمت (العلوم الصوفية) في أي إنجاز علمي حققته الحضارة الإسلامية من مخترعات كالإسطرلاب مثلاً، أو مكتشفات كالدورة الدموية، أو تأسيس علم الجبر؟

الحقيقة التي تفطر القلب أنه مع تصاعد انتشار (علوم التصوف) انحسرت العلوم الشرعية والدنيوية وضعفت حالة القوة الإسلامية، ولعل التوجه العالمي اليوم لرعاية التصوف ونشره يهدف لأشياء منها محاربة المد العلمي بشقيه: الشرعي الذي تطور في العقود الأخيرة، والعلوم الدنيوية التي بدأت بعض الدول الإسلامية تتمكن منها.



مصادر ومراجع المادة

  • فصوص الحكم، تحقيق أبو العلا عفيفي، 1/56.
  • البخاري، (1291).
  • التصوف الإسلامي بين الدين والفلسفة، د. إبراهيم هلال، دار النهضة العربية، ص 149؛ وهو في الفتوحات المكية، 1/576.
  • حقائق عن التصوف، عبد القادر عيسى، المطبعة العربية، ص 72.
  • إحياء علوم الدين، 3/24.
  • تلبيس إبليس، ابن الجوزي، 1/310.
  • إحياء علوم الدين، 4/206.
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب افتتاحية العدد

تأملات في واقع الصلاة والموالد!
افتتاحية العدد

تأملات في واقع الصلاة والموالد!

ضجّت وسائط التواصل الاجتماعي بمقاطع مختلفة لفعاليات الموالد النبوية من مختلف البلدان، وذلك بفعل الخوارزميات التي تخرج لك المشابه لما شاهدته، وأيضا بفعل حملات إعلامية منظمة تهدف –غالبًا- لخلق انطباع عام مضلل عن ترسخ…

أسامة شحادة3 دقائقالعدد 10
افتتاحية العدد
افتتاحية العدد

افتتاحية العدد

التوحيد هو العقيدة التي جاء بها كل الأنبياء عبر العصور، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وتكرر هذا المعنى في…

أسامة شحادة4 دقائقالعدد 9
مخالفة النبي ﷺ لا تكون طريقا للارتقاء!
افتتاحية العدد

مخالفة النبي ﷺ لا تكون طريقا للارتقاء!

روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أُخبِروا كأنهم تقالُّوها [أي: عدُّوها قليلة]، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر الله له ما تقدم…

أسامة شحادة4 دقائقالعدد 8

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل