مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
قاموس المصطلحات

مصطلح «القطب»: أحمد البدوي نموذجًا تطبيقيًا

إعداد: هيئة التحرير 7 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 0
مصطلح «القطب»: أحمد البدوي نموذجًا تطبيقيًا

تستعد محافظة طنطا بمصر لاستقبال الزائرين في مولد السيد أحمد البدوي، وتتحول المدينة في شهر أكتوبر من كل عامٍ إلى قبلة المريدين، حيث تشارك نحو ست وسبعين طريقة صوفية في الاحتفال بمولد "شيخ العرب"، الذي يُعد أحد أقطاب الولاية الأربعة لدى المتصوفين، بجانب عبد القادر الجيلاني، وإبراهيم الدسوقي، وأحمد الرفاعي. ويُقام له احتفالان سنويًا: المولد الرجبي في شهر مايو، والمولد الكبير في شهر أكتوبر.

فمن هو هذا "القطب" الذي يزحف إليه الألوف؟ إنه أحمد بن علي بن إبراهيم البدوي الحسيني، المولود في فاس عام 596هـ، والمتوفى في طنطا عام 675هـ. ويصفه مريدوه بأنه "قطب أقطاب زمانه"، و"الواحد الذي يدور عليه أمر عالم الكون كله"، و"محل نظر الله من خلقه".

غير أن هذه الألقاب ليست مجرد مدائح عابرة، بل هي مصطلحات تنتمي إلى منظومة كاملة يُطلق عليها "الدولة الباطنية" الصوفية، وهي منظومة غيبية يتصورها الصوفية، لها حكام وولاة وأعوان، يديرون شؤون الكون من خلف حجاب الغيب. ويقف على رأس هذه الدولة "القطب"، الذي يُوصف بأنه "موضع نظر الله" و"مدار العالم"، ثم "الأوتاد" الأربعة الذين يحفظون أركان العالم، ثم "الأبدال" الذين يحفظون الأقاليم، ثم "النجباء" الذين يحملون أثقال الخلائق، ثم "النقباء" الذين يعرفون خفايا الضمائر.

ولأن المقام مقام الحديث عن السيد البدوي في مولد سنوي تزحف إليه جموع المريدين، فإن هذه القراءة ستقتصر على مصطلح "القطب"، بوصفه رأس هذه الدولة الباطنية، وبوصفه اللقب الأبرز الذي يُطلق على البدوي، على أن نُتبع هذا المقال بمقالات أخرى تتناول بقية مصطلحات "الدولة الباطنية".

"القطب" في اللغة هو "ما عليه مدار الشيء وملاكه"، وأصله من "قطب الرحى" الذي تدور عليه رحاها، ثم استُعير للدلالة على "سيد القوم الذي تدور عليه أمورهم"([1])، المعنى اللغوي يقوم على المركزية والمدار في إدارة شؤون دنيوية بحتة، لا على وظيفة غيبية. غير أن الصوفية نقلوا هذا المصطلح من دلالته المجازية إلى عقيدة غيبية كاملة، فعرّفه الجرجاني بأنه "عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان... وهو على قلب إسرافيل عليه السلام"([2])، فما معنى أن يكون مخلوق "موضع نظر الله"؟ والله سبحانه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 54]، وإحاطته لا تحتاج إلى "موضع".

ثم ما معنى أن يكون القطب "على قلب إسرافيل"؟ إن إسرافيل عليه السلام ملك من الملائكة المكرمين، لا يُنسب إليه قلبُ وليٍّ يتصرف في الكون بإذنه. وزاد الجرجاني على ذلك قوله: "أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد"([3])، وهذه لغة غير مألوفة في الخطاب الشرعي، لأن ظاهرها يوحي بأن الولاية تُنال بطلاسم وأسرار، لا باتباعٍ وعبوديةٍ.

ويقول ابن عربي في "الفتوحات المكية" إن القطب: "مركز الدائرة ومحيطها ومرآة الحق، عليه مدار العالم، له رقائق ممتدة إلى جميع قلوب الخلائق"([4])، فكيف يكون المخلوق "مرآة الحق"؟ وما معنى "رقائق ممتدة إلى جميع قلوب الخلائق"؟ إنها تصور لمخلوق يتصل بقلوب البشر جميعًا، ويعلم ما فيها، ويتصرف فيها. ثم يصرح ابن عربي بما هو أخطر من ذلك، فيقول عن القطب: "وبيده قسمة الأرزاق والآجال، وإليه تنتهي حوائج الخلائق، وهو خليفة الله في أرضه، يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد"([5])، وهذه العبارة لا تقبل التأويل: قسمة الأرزاق وتحديد الآجال وقضاء الحوائج والحكم المطلق كلها من خصائص الله وحده. والقرآن يقرر: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26]، ويقول: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:11].

ويقول الهجويري في "كشف المحجوب" إن القطب: "له التصريف في جميع الموجودات، من العرش إلى الثرى"([6])، وهذه أصرح عبارة في دعوى التحكم الكوني: من العرش إلى الثرى أي الكون كله بطبقاته. ثم يتطور الأمر من التصريف الفردي إلى "ديوان" أو "مجلس" للأولياء، يُدار فيه حكم الكون. يقول ابن عربي: "فإن الله تعالى جعل للقطب ديوانًا من الأبدال والأوتاد والنجباء، يجتمعون في كل ليلة عند القطب، فينظرون في المصالح، ويقسمون الأرزاق، ويقضون الحوائج"([7]).

ويقول الكاشاني: "القطب له التأثير في قلوب العباد، يقلبها كيف يشاء، ويصرفها حيث يريد"([8])، وهذه دعوى أخطر من سابقتها، لأنها تعني أن إيمان الناس وضلالهم بيد القطب. وقد بلغ الغلو ذروته عند بعضهم حين نسب إلى القطب الإحياء والإماتة. يقول الشعراني في "اليواقيت والجواهر": "القطب له التصرف في الحياة والموت، يحيي من يشاء ويميت من يشاء"([9]).

كل ما سبق لم يكن حديثًا نظريًا مجردًا، بل هو مفاتيح لفهم شخصية السيد البدوي، فهو الذي يصفه مريدوه بأنه "قطب أقطاب زمانه"، ويُنسب إليه شعر يقول فيه:

أنا أحمد البدويُّ غوثٌ لا خفاء ... على الأقطابِ صحَّت ولايتي

وتُصرّ كتب الصوفية على أن البدوي لم يكن مجرد وليّ عادي، بل بلغ رتبة "القطبانية العظمى". يقول د. جودة أبو اليزيد في كتابه (القطب النبوي السيد أحمد البدوي): "كان الواحد الذي يدور عليه أمر عالم الكون كله؛ لكونه محل نظر الله تعالى من خلقه، وبه حفظ الله الوجود على عالم الدنيا... وهو الذي بايعته العوامل العلوية والسفلية قطبًا لها وخليفة عليها"([10]).

وتتنوع "كراماته" في المصادر الصوفية على نحوٍ يُظهر التصريف الفعلي في الكون، فيروي عبد الصمد زين الدين في "الجواهر السنية" أن "البدوي غسَّل نفسه بنفسه بعد موته"([11]). وتذكر مصادرهم أنه "كان يخسف الأرض إذا أراد"، وتذكر "الطبقات الكبرى" للشعراني أن البدوي لما طلب بعضُ أتباعه رؤية وجهه كشف له اللثام فصعق ومات في الحال"([12])، ويُذكر في التراجم الصوفية المتأخرة إسناد كرامات له تشمل إحياء الموتى، وإبراء المرضى، وإعادة البصر إلى العميان([13]).

غير أن هذه الصورة الأسطورية لا تصمد أمام الاعترافات الموثقة والمدونة في كتب التراجم والتواريخ. فيروي عبد الصمد زين الدين الصوفي في "الجواهر السنية" أن قاضي القضاة ابن دقيق العيد "سمع بالشيخ وأحواله، فنزل إليه واجتمع به بناحية طنطا، وقال له: يا أحمد البدوي، هذا الحال الذي أنت فيه ما هو مشكور، فإنه مخالف للشرع الشريف؛ فإنك لا تصلي ولا تحضر الجماعة، وما هذه طريقة الصالحين"([14]). ومن المعلوم أن المؤلفين الصوفية لم يوردوا هذه الرواية لنقد البدوي، بل لجعلها من باب "الكرامات" والتسليم لأهل الأحوال، فهي إقرار منهم بصحة الواقعة مع تغيير تأويلها من "مخالفة شرعية" إلى "حال". وهذا في حد ذاته اعتراف بأن الفعل قد وقع. ويذكر ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الحديثية" اعتراضات العلماء على أحوال البدوي وكونه كان "لا يشهد الصلوات الخمس" في بعض أوقاته([15]). وينقل ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" عن ابن دقيق العيد أنه "كان يُنكر على البدوي، ويقول له: إنك لا تصلي"([16]).

ولم تقف المخالفات المنسوبة إلى البدوي عند ترك الصلاة، بل تجاوزتها إلى سلوكيات غريبة نقلاً عن أصحاب السير؛ فيذكر المؤرخ المقريزي في "السلوك لمعرفة دول الملوك" والحافظ السخاوي نقلاً عن أبي حيان الأندلسي أنه "كان لا يكشف اللثام عن وجهه"، "وأنه صدرت منه أفعال استنكرها أهل العلم كترك الجمع والجماعات والجلوس في مكان خرب"([17])، ويلبس عمامة حمراء وطمرًا لا يخلعه حتى يبلى، وتصدر منه أفعال تتنافى مع ما أمر به الشرع من النظافة والتطهر، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، وقال ﷺ: "إن الله جميل يحب الجمال". فكيف يكون "قطبًا" يُقتدى به من يهمل نظافته حتى تصدر منه الروائح في المسجد؟ إن هذا يشبه أحوال النساك المنقطعين عن الجمعة لا أحوال أئمة الهدى.

كما ذُكر في كتب مناقبه أنه امتنع عن الزواج طوال حياته، وقال لأخيه لما حثه عليه: "تأمرني بالزواج وأنا موعود أن لا أتزوج إلا من الحور العين الحسان"، وهو كلام يخالف صريح السنة النبوية في الترغيب في النكاح([18]).

أما مسألة التأثر بالعقائد الباطنية أو التشيّع، فقد أثارت جدلاً واسعًا بين المؤرخين؛ حيث تذكر كتب التراجم والتاريخ المتأخرة أن أصل أسرته ينتهي إلى المغرب العربي، وأن والده علي البدوي وأخاه الحسن كانا من العلويين الذين خرجوا من فاس إلى مكة ثم العراق، وأن البدوي "مرّ بالعراق وزار مشاهدها وأضرحتها" كقبور آل البيت وأضرحة الصوفية كأحمد الرفاعي والجيلاني، قبل أن يستقر في مصر في أواخر العصر الأيوبي وبداية العصر المملوكي"([19]).

وهكذا يتبين أن مصطلح "القطب" ليس مجرد لقب تشريفي، بل هو منظومة عقدية كاملة تمنح المخلوق ما هو من خصائص الله عز وجل: التدبير، والتصريف، وقسمة الأرزاق، وتحديد الآجال، والتأثير في القلوب، والإحياء والإماتة. والبدوي، بصفته "قطب أقطاب زمانه"، هو تجسيد حي لهذا المصطلح، وقد أظهرت الترجمة النقدية -المعتمدة على شهادات ابن دقيق العيد وابن حجر الهيتمي والمقريزي والسخاوي- أن الصورة الأسطورية للبدوي لا تصمد أمام الوثائق التاريخية.

وإن محبة الأولياء الصادقة تقتضي إنزالهم في مرتبتهم التي أنزلهم الله إياها: عبادًا صالحين، لا أربابًا مدبرين، ولا أقطابًا يصرّفون. والله وحده هو "غياث المستغيثين"، وإليه وحده تُصرف الدعوات، وعليه وحده التكلان.



مصادر ومراجع المادة

  • لسان العرب، مادة "قطب"، 1/680.
  • التعريفات، دار الفضيلة، القاهرة، ص 149.
  • المصدر السابق، ص 209.
  • الفتوحات المكية، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1420هـ، 2/404.
  • المصدر السابق، 3/40.
  • كشف المحجوب، ترجمة: د. إسعاد عبد الهادي قنديل، دار النهضة العربية، بيروت، ط 2، 1980م، ص 214.
  • الفتوحات المكية، 2/404.
  • اصطلاحات الصوفية، الكاشاني، تحقيق: د. محمد كمال جعفر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1981م، ص 18.
  • اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418هـ، 2/79.
  • القطب النبوي السيد أحمد البدوي، أبو اليزيد، دار الجيل للنشر والتوزيع، القاهرة، ط 1، 1992م، ص 89.
  • الجواهر السنية في المناقب الأحمدية، المطبعة الأميرية ببولاق، القاهرة، 1277هـ، ص 88.
  • الطبقات الكبرى [اللمع التوفيقية]، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418هـ، 1/184.
  • المصدر السابق، 1/183-187.
  • الجواهر السنية في المناقب الأحمدية، ص 88.
  • الفتاوى الحديثية، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ص 211.
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، ط1، 1406هـ، 7/605.
  • السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ، 1/345؛ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار مكتبة الحياة، بيروت، 9/150.
  • الضوء اللامع، 9/150؛ شذرات الذهب، 7/605.
  • طبقات الأولياء، ابن الملقن، تحقيق: نور الدين شريبة، دار الفضيلة، القاهرة، ط 3، 1415هـ، ص 411؛ شذرات الذهب، 7/604.
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب قاموس المصطلحات

«الحقيقة المحمدية» بين الجذور الفلسفية والآثار المعاصرة
قاموس المصطلحات

«الحقيقة المحمدية» بين الجذور الفلسفية والآثار المعاصرة

تطرقُ الأسماعَ في بعض المساجد، وتتداولها صفحاتُ التواصل الاجتماعي، وتُسطَّر في بطاقات التهاني والمناسبات، عباراتٌ من مثل: «يا أول خلق الله، يا نور عرش الله»، و«الخلقُ كلُّهم اتخلقوا علشانه، ومن نوره»([1])، وفي أوراد بعض…

د. محمد أبو عمر8 دقائقالعدد 10
قاموس المصطلحات
قاموس المصطلحات

قاموس المصطلحات

ما بين محبة صادقة ترفعُ القدرَ، وغلوّ مهلك يهدمُ العقلَ والدينَ، يضيعُ كثيرٌ من الناس، وتزيغُ بهم أهواء الفلاسفة عن جادَّةِ الصواب.إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصلٌ عظيمٌ من أصول الإيمان، غير أن هذه المحبةَ…

د. محمد أبو عمر7 دقائقالعدد 9
الحال بين السلب وإنتاج الإنسان الصوفي
قاموس المصطلحات

الحال بين السلب وإنتاج الإنسان الصوفي

من الأصول المقطوع بها أن التكاليف في الإسلام منوطة بالعقل والوعي والإرادة. ولهذا السبب بالضبط رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق؛ فذهاب العقل عذر ورحمة، لا فضيلة ولا كرامة. ويزيد…

د. محمد أبو عمر7 دقائقالعدد 8

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل