مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
شخصيات صوفية

الشيخ الطيب الجد العباس: الوجه السياسي للتصوف القادري وأثره في الساحة السودانية

محمد خليفة 4 دقائق قراءةربيع ثاني 1448 هـ — سبتمبر 2026 م 25
الشيخ الطيب الجد العباس: الوجه السياسي للتصوف القادري وأثره في الساحة السودانية

في صبيحة يوم 12 أبريل 2026، غيّب الموت في القاهرة أحد أبرز رموز التصوف في السودان، الخليفة الشيخ الطيب الجد العباس، عن عمر ناهز 96 عامًا. والشيخ الطيب الجد العباس أحمد موسى محمد ود بدر، المولود عام 1930 في منطقة أم ضوا بان شرقي الخرطوم، هو خليفة الطريقة القادرية البدرية ورئيس سجادتها.

الطريقة القادرية:

تَشتهر الطريقة القادرية، التي تزعمها الشيخ الطيب الجد، بالمبالغة في الاستغاثة بالأولياء والتوسل بهم، الأمر المخالف لتوحيد العبادة، وكذلك انتُقد عليهم الإفراط في تعظيم الأضرحة وإقامة المواسم والاحتفالات حولها باعتبارها بدعًا، إلى جانب كيفيات الذكر الجماعي والحضرات المصحوبة برفع الصوت وحركات إيقاعية وألفاظ لم ترد في السنة، كما نسب لشيوخ الطريقة قدرات خارقة أو التصرف في الكون باعتبارها كرامات وبركة، وهو ما يرفضه جمهور أهل السنة لأنه يتجاوز حدود الكرامة الشرعية، ويضاف إلى ذلك نقد التقليد المطلق للشيخ، حيث أن المريدين يقدّمون أقوال مرشديهم على الدليل الشرعي، كما تنتشر بينهم الممارسات الشعبية والخرافات والتمائم والموالد التي تسللت إلى فروعها عبر الزمن.

تعريف بشخصية الشيخ الطيب الجد العباس:

التحق بقسم الشريعة بكلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم حاليا) عام 1955، وتخرج عام 1959، ليتدرج في السلك القضائي حتى بلغ مرتبة قاضٍ في المحكمة العليا، وفي عام 1998 أصدر رئيس الجمهورية قرارًا بتأسيس مجمع الفقه الإسلامي السوداني، وعيّنه عضوًا فيه مسؤولًا عن دائرة الفتوى الشرعية.

غير أن شخصيته تجاوزت حدود المشيخة الصوفية؛ لممارسة دور سياسي وهو ما كان الصوفية ينبذونه بحجة الزهد والتفرغ للعبادة!

البعد السياسي: "مبادرة نداء أهل السودان للتوافق الوطني"

التحول الأبرز في مسيرة الشيخ الطيب الجد كان خروجه بالتصوف من فضاء التعبد إلى الدور السياسي في بلده السودان، وذلك عبر إطلاقه في أغسطس 2022 مبادرة "نداء أهل السودان للوفاق الوطني"، وهي مبادرة جاءت في أعقاب الخلافات السياسية الحادة التي عصفت بالسودان عقب إجراءات رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021، حين أمر بإعفاء الحكومة المدنية آنذاك.

ارتكزت المبادرة على دعوة جميع السودانيين إلى ميثاق مشترك لإدارة الفترة الانتقالية عبر حكومة كفاءات وطنية مستقلة، وصولاً لانتخابات حرة يختار فيها الشعب قيادته. ثم عقد مؤتمر مائدة مستديرة جامع لأهل السودان دون عزل ولا إقصاء لأي طرف، يتم التوافق فيه على رؤية لإدارة بقية الفترة الانتقالية عبر حكومة كفاءات وطنية مستقلة غير حزبية، تركز على المعاش والأمن وبسط دولة القانون والعدالة وصولاً لانتخابات حرة يختار فيها الشعب قيادته بحرية وشفافية.

أكدت المبادرة على ضرورة سيادة حكم القانون وبسط العدالة واحترام قيم الأمة وثوابتها الدينية والأخلاقية والوطنية وأعرافها الحميدة، ووقوف أهل السودان كافة خلف القوات المسلحة وجنودها ودعم الجيش السوداني والاصطفاف خلفه، واقترحت المبادرة تكوين مجلس أعلى للنداء يضم قادة الطرق الصوفية والقوى السياسية والاجتماعية والمهنية والرموز الوطنية، يساعده جهاز تنفيذي تنسيقي مصغر يعمل على توسيع الدعوة والتواصل مع الجميع والإعداد لمؤتمر المائدة المستديرة، والإشراف على سكرتاريته ومتابعة تنفيذ مخرجاته.

ما جعل المبادرة استثنائية هو الالتفاف الواسع حولها من أطراف متعددة. فقد لاقت مباركة صريحة من رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي قال: "نحن نؤيد كل مسعى يريد صاحبه أن يجمع أهل السودان". كما انضمت إليها قيادات سياسية بارزة، إذ أعلن الأمير أحمد سعد عمر ممثلًا عن رئيس الحزب الاتحادي الأصل دمج مبادرة حزبه في مبادرة الطيب الجد، وأكد رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل المهدي أنهم "أحوج ما يكون لهذه المبادرة".

ولعل الأكثر دلالة هو ما وصفته تقارير صحفية بـ "الحالة النادرة وغير المسبوقة" التي شهدت إعلان سلفيين - على مستوى جماعات وأفراد - تأييدهم لمبادرة يرعاها أحد أقطاب الطريقة القادرية. فالداعية السلفي محمد مصطفى عبد القادر أعلن تأييده التام للمبادرة وتسخير منبره ومسجده لنجاحها، بينما ذهب آخرون إلى القول إن المرحلة تتطلب وضع الخلافات بين السلفيين والصوفية جانبًا لمصلحة السودان. ومع كل هذا القبول للمبادرة إلا أنها واجهت انتقادات، واتُهمت بأنها خاصة بالموالين للنظام السابق.

ولعل مما ساعد الشيخ الطيب الجد على تقديم هذه المبادرة موقعه الاجتماعي وإرثه القضائي؛ فخبرته كقاضٍ في المحكمة العليا، وعمله في مختلف مديريات السودان -من الخرطوم إلى الأبيض وكسلا وبورتسودان ودنقلا والمناقل ونيالا- منحته فهمًا عميقًا للتركيبة الاجتماعية السودانية بتنوعها القبلي والعرقي، حيث جمع بين المعرفة القانونية والسلطة الروحية، كما أن الطرق الصوفية تجمع السالكين من أحزاب وقبائل وجهات ومهن وأعمار شتى.

نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب شخصيات صوفية

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل