مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
قاموس المصطلحات

قاموس المصطلحات

اعداد هيئة التحرير 3 دقائق قراءةرمضان 1447 هـ — فبراير 2026 م 31
قاموس المصطلحات

المدد بين الاستعانة المشروعة والاستغاثة الممنوعة: تأصيلٌ ونقدٌ لمفهومٍ صوفيّ

لجنة بحوث مجلة مدارك

مصطلح «المدد» عند الصوفية ليس لفظًا واحدًا بمعنى واحد، بل هو مظلة تُستعمل تحتها معانٍ متباينة؛ بعضها صحيح في نفسه، وبعضها ينقلب ـ عند التطبيق ـ إلى بابٍ من أبواب الغلوّ في الأولياء.

فمن جهة الاستعمال الشائع في الأوساط الصوفية: يُراد بـ«المدد» غالبًا العون والزيادة والتقوية: كأن يقول السالك: “أحتاج مددًا في العبادة”، أي توفيقًا وتثبيتًا ونورًا. وهذا المعنى في ذاته إن أُسند إلى الله وحده فهو داخل في جنس الدعاء المشروع والاستعانة المأمور بها: أن يطلب العبد من ربه أن يمدّه هدىً ونصرًا وثباتًا. لكن الإشكال يظهر حين يتحوّل اللفظ من طلب المدد من الله إلى طلب المدد من غير الله: نداءُ وليٍّ غائبٍ أو ميتٍ بقولهم: “مدد يا فلان”، على جهة الاستغاثة وجلب النفع أو دفع الضرّ، أو كشف الكربات التي لا يقدر عليها إلا الله.

وهنا تتكاثر “الشبهات” التي تُثار لتسويغ هذا الاستعمال، وأشهرها ثلاث:

الشبهة الأولى: أن قولهم «مدد يا فلان» مقصودُه «التوسل» لا «الاستغاثة».
والجواب: التفريق لازمٌ بين التوسل وبين الاستغاثة. فالتوسل ـ بصوره المعتبرة عند أهل السنة ـ شيء، وجعلُ المخلوق “مغيثًا” يُطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله شيء آخر. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المنفي من الاستغاثة نوعان: الاستغاثة بالميت مطلقًا، والاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق؛ وهذا هو محل النزاع في عبارات “المدد” عند تعلّقها بالأولياء الغائبين أو الأموات. 

الشبهة الثانية: أن الولي «سبب»، والفاعل هو الله، فنحن لا نعتقد فيه استقلالًا.
والجواب: ليس كل ما سُمّي “سببًا” يصير سببًا شرعيًا. فالشرع لا يثبت الأسباب بالهوى، بل بدليل. والاستغاثة بالغائب والميت في قضاء الحاجات الغيبية ليست سببًا شرعيًا ولا سببًا قدريًا محسوسًا، بل هي من جنس تعلق القلب بغير الله فيما اختص به سبحانه. ومن هنا جاءت النصوص السلفية في سد هذا الباب لأنه يفضي ـ تاريخيًا وواقعيًا ـ إلى تعظيم المدعو وتعليق الرجاء والخوف به، ولو زعم الداعي أنه “لا يعتقد الاستقلال”.

الشبهة الثالثة: أننا لا نعبدهم، إنما نطلب “مددًا روحانيًا”.
والجواب: المشكلة ليست في “الأسماء” بل في “الحقائق”. فكل دعاءٍ واستغاثةٍ تتضمن سؤال الغائب أو الميت كشف الضر وجلب النفع على وجه لا يقدر عليه إلا الله هي من جنس ما نهى عنه الشرع، ولو قيل: “روحاني” أو “سري” أو “فيض”. ولو كان المراد مجرد طلب الدعاء من حيٍّ حاضرٍ يسمع ويقدر، فهذا باب آخر مختلفٌ أصلًا.

ولأجل إنصاف الصورة ـ وبأسلوب “قالها أهل الطريق أنفسهم” ـ تجد داخل التراث الصوفي من يقرر توحيد الطلب والرجاء لله وحده، ويُبطل تعليق القلب بالمخلوق. ومن ذلك ما نُقل عن الشيخ عبد القادر الجيلاني أنه أوصى ولده عند مرض موته بقوله: “لا تخف أحدًا ولا ترجُه… وأوكل الحوائج كلها إلى الله، واطلبها منه… ولا تثق بأحد سوى الله… وجماع الكل التوحيد”. وهذه العبارة ـ في معناها ـ تهدم أصل “مدد يا فلان” إذا قُصد بها سؤال غير الله قضاء الحاجات. 

وأخيراً نستطيع أن نقول: لفظ المدد إن أُريد به دعاءُ الله أن يمدّ العبد توفيقًا وثباتًا فهو صحيح، وإن أُريد به استغاثةُ غير الله أو نداءُ الغائب والميت لقضاء الحاجات وكشف الكربات فهو داخل في الاستغاثة الممنوعة، ويشتد منعه إذا صار شعارًا تعبديًا متكررًا يعلّق القلوب بغير ربها… والقلوب لا يستقيم صلاحها إلا بالتوحيد الخالص، والتوحيد لا يقبل مزاحمةً ولا إشراكًا في حق الله تعالى..




مصادر ومراجع المادة

  • ابن تيمية، كتاب الاستغاثة في الرد على البكري، ص 239 (موضع تقرير نوعي الاستغاثة المنفية).
  • محمد بن عبد الله المقشي، المجموع الثمين في حكم دعاء غير رب العالمين، ص 9 (نقل وصية عبد القادر الجيلاني في توحيد الطلب والاعتماد).
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب قاموس المصطلحات

مصطلح «القطب»: أحمد البدوي نموذجًا تطبيقيًا
قاموس المصطلحات

مصطلح «القطب»: أحمد البدوي نموذجًا تطبيقيًا

تستعد محافظة طنطا بمصر لاستقبال الزائرين في مولد السيد أحمد البدوي، وتتحول المدينة في شهر أكتوبر من كل عامٍ إلى قبلة المريدين، حيث تشارك نحو ست وسبعين طريقة صوفية في الاحتفال بمولد "شيخ العرب"، الذي يُعد أحد أقطاب…

إعداد: هيئة التحرير7 دقائقالعدد 11
«الحقيقة المحمدية» بين الجذور الفلسفية والآثار المعاصرة
قاموس المصطلحات

«الحقيقة المحمدية» بين الجذور الفلسفية والآثار المعاصرة

تطرقُ الأسماعَ في بعض المساجد، وتتداولها صفحاتُ التواصل الاجتماعي، وتُسطَّر في بطاقات التهاني والمناسبات، عباراتٌ من مثل: «يا أول خلق الله، يا نور عرش الله»، و«الخلقُ كلُّهم اتخلقوا علشانه، ومن نوره»([1])، وفي أوراد بعض…

د. محمد أبو عمر8 دقائقالعدد 10
قاموس المصطلحات
قاموس المصطلحات

قاموس المصطلحات

ما بين محبة صادقة ترفعُ القدرَ، وغلوّ مهلك يهدمُ العقلَ والدينَ، يضيعُ كثيرٌ من الناس، وتزيغُ بهم أهواء الفلاسفة عن جادَّةِ الصواب.إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصلٌ عظيمٌ من أصول الإيمان، غير أن هذه المحبةَ…

د. محمد أبو عمر7 دقائقالعدد 9

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل