مقدمة
تُعدّ مسألة كرامات الأولياء من الموضوعات التي حظيت باهتمام كبير في التراث الإسلامي، إذ ارتبطت بمفهوم الولاية والصلاح والقرب من الله تعالى. وقد أثبت أهل السنة والجماعة وقوع الكرامات للأولياء الصالحين، استنادًا إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.
إن إثبات الكرامة للأولياء هو قول أهل السنة والجماعة، وهو أصلٌ من أصولهم، قال الإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية مع شرح ابن أبي العز الحنفي: "وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ"([1]).
غير أن هذه القضية شهدت عبر التاريخ صورًا من المبالغة والغلو، خاصة في بعض الأوساط الصوفية، حيث نُسبت إلى بعض الأولياء خوارق وأفعال تجاوزت الحدود الشرعية والعقلية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة الكرامات في ضوء الكتاب والسنة، لتمييز الحق من الباطل، والكرامة الشرعية من الدعاوى التي لا تستند إلى دليل.
مفهوم الكرامة في الإسلام:
الكرامة لغةً: قال ابن فارس: "الكاف والراء والميم أصل صحيح له بابان، أحدهما: شرف في الشيء في نفسه أو شرف في خلق من الأخلاق ... والكرم في الخلق يقال: هو الصفح عن ذنب المذنب، قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الكريم الصفوح، والله تعالى هو الكريم الصفوح عن ذنوب عباده المؤمنين"([2]).
الكرامة اصطلاحًا: عرّفها السفاريني بقوله: "هي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة، يظهر على يد عبدٍ ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبي كلف بشريعته مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح، علم بها ذلك العبد الصالح أو لم يعلم"([3]).
وتختلف الكرامة عن المعجزة؛ فالمعجزة تكون للأنبياء مقرونة بدعوى النبوة، أما الكرامة فتكون للأولياء الصالحين دون ادّّعاء النبوة. كما تختلف عن السحر والشعوذة؛ لأن الكرامة منحة ربانية، بينما السحر قائم على الاستعانة بالشياطين أو ممارسة الأعمال المحرمة.
إثبات الكرامات في الكتاب والسنة
دلّت نصوص القرآن الكريم على وقوع الكرامات للأولياء والصالحين، ومن ذلك قصة مريم عليها السلام حين كانت تجد رزقها عندها في المحراب، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران:37]، كما قصّ القرآن خبرَ صاحب سليمان الذي أتى بعرش بلقيس في زمن قصير، قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40]، وهي من الخوارق التي أكرم الله بها عباده.
وفي السُنة النبوية وردت أحاديث صحيحة تدل على وقوع الكرامات، منها قصة أصحاب الغار الذين فرّج الله عنهم الكرب بسبب أعمالهم الصالحة، وقصة جريج العابد، وغيرها من الوقائع الثابتة.
ولهذا أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات كرامات الأولياء، وعدّوها من عقائد أهل الحق، ما دامت منضبطة بالكتاب والسنة.
الكرامات في الفكر الصوفي
احتلت الكرامات مكانة بارزة في كثير من كتب التصوف، حيث أُفردت لها أبواب خاصة، ونُقلت فيها أخبار كثيرة عن الأولياء والعارفين. وقد كان بعض أئمة التصوف المعتدلين يرون أن الكرامة ليست غاية في ذاتها، بل إن الاستقامة على أوامر الله أعظم من كل كرامة.
غير أن بعض الاتجاهات الصوفية المتأخرة بالغت في شأن الكرامات، فنُسب إلى بعض الأولياء العلم بالغيب، أو التصرف في الكون، أو الإغاثة بعد الموت، أو معرفة ما في الصدور، وهي دعاوى لا دليل عليها من الكتاب والسنة، بل تتعارض مع أصول العقيدة الإسلامية التي تقرر أن علم الغيب مختص بالله تعالى وحده.
ضوابط الكرامة الشرعية
وضع علماء أهل السنة ضوابط مهمة لقبول الكرامات، من أبرزها:
أولاً: أن يكون صاحب الكرامة مستقيمًا على الشريعة، محافظًا على أوامر الله، مجتنبًا لنواهيه.
ثانيًا: ألا تتضمن الكرامة مخالفة لنص شرعي أو أصل عقدي.
ثالثًا: ألا تكون سببًا لرفع صاحبها فوق منزلته البشرية أو منحه صفات لا تليق إلا بالله تعالى.
رابعًا: ألا تُتخذ الكرامات معيارًا للتفاضل المطلق بين الناس، فإن أعظم الكرامة هي الثبات على الطاعة والاستقامة على الدين.
الموقف من الكرامات المنسوبة لبعض الصوفية
ينبغي التعامل مع الروايات الواردة في كتب المناقب والطبقات بحذر وتحقيق؛ فما وافق الشرع ولم يتضمن مخالفة عقدية أمكن قبوله أو السكوت عنه، وما خالف أصول الدين أو اشتمل على مبالغات ظاهرة وجب ردّه وعدم نسبته إلى الأولياء.
وقد قرر العلماء أن الخوارق ليست كلها كرامات؛ فقد تكون استدراجًا من الله لبعض العصاة، أو أحوالاً شيطانية يُلبَّس بها على الناس. ولذلك فإن الميزان الحقيقي هو موافقة الكتاب والسنة، لا مجرد وقوع الأمر الخارق.
خاتمة
تُعد كرامات الأولياء حقًا ثابتًا دلّ عليه القرآن الكريم والسنة النبوية، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة، غير أن إثبات الكرامات لا يعني قبول كل ما يُروى في هذا الباب دون تمحيص، بل يجب عرض ذلك على أصول العقيدة وضوابط الشريعة. فالولي الصالح يُعرف باستقامته وتقواه قبل أن يُعرف بما يُنسب إليه من خوارق، وأعظم الكرامات على الإطلاق هي الثبات على الإيمان وطاعة الله تعالى حتى الممات.
ومن الكلام السابق، ولو نظرنا في كرامات الصوفية الموجودة في كتبهم مثل:
طبقات الشعراني الكبرى، وجامع كرامات الأولياء ليوسف إسماعيل النبهاني، وغيرها نعلم يقينًا أن هذه سفاهات وخرافات لاعلاقة لها بالكرامات التي أقرها الإسلام.




