مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
مقالات

التصوف النسائي المعاصر في مصر.. أنماط وإشكالات

فاطمة عبد الرؤوف 7 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 2
التصوف النسائي المعاصر في مصر.. أنماط وإشكالات

عندما نتحدث عن النساء الصوفيات المعاصرات في مصر فنحن لا نتحدث عن نمط واحد من النساء، فالصورة الرائجة هي للنساء القرويات (الشعبيات) اللاتي يذهبن للموالد والحضرات يفترشن الساحات، وربما يقمن إقامة كاملة طيلة أيام المولد ولياليه، ويقدمن النذور للأضرحة، ويمكننا أن نطلق عليها النسخة الشعبية للمرأة الصوفية، على الرغم من أن قطاعات من نساء الطبقة المخملية والثرية يشاركن في طقوس الموالد هذه، بل قد رصدت الدراما التليفزيونية هذه المشاركة، حيث قدّمت المرأة الثرية التي لها حاجة إلى الله، فتقوم بشراء الطعام وتوزيعه في محيط ضريح من الأضرحة ثم تقف بخشوع أمام المقام وتدعو بما شاءت!

 

النسخة الشعبية للمرأة الصوفية

النسخة النسائية الشعبية هي الأكثر عددا، وهي الجسم الأساس للنساء المتصوفات (وإن كنا لا نملك رقما محددا بالتأكيد)، وعندما يتباهى الصوفية بأنهم يصلون للقاعدة المجتمعية العريضة ويحظون بحبها واحترامها فالمقصود هي تلك النسخة الشعبية.

وهذه النسخة الشعبية النسائية هي أيضا السبب في كثير من النقد الذي واجهته الطرق الصوفية في مصر، لأن المخالفات الشرعية التي تقع فيها شديدة المخالفة الشرعية والوضوح، وهذا ما دفع بعض رموز التصوف نفسه بانتقاد هذا الواقع المنحرف، مثل قول د. محمد إبراهيم العشماوي: "وما نراه اليوم من تساهل بعض النساء المتصوفات بالتبرج، والاختلاط الفاحش، وغِشْيان مجالس اللهو والسماع، التي تحضر فيها آلات الطرب، وتُنشد فيها الخمريات والغزليات، وربما أنشدت المرأة أو هامت أو تواجدت أو رقصت، وهي أشياء تستفز النساء والرجال على السواء، وتثير النفس الكامنة، وتحرك الشهوة الساكنة، ويحضرها الشيطان، وطوافها على الموالد والحضرات والمقامات، وهي تلبس السبح والشارات، في صحبة الرجال الأجانب بدعوى الأخوة في الطريق - بلا رقيب ولا حسيب ولا مَحْرم ولا إذن من ولي أمرها - أمور محرمة شرعا، تُرتكب باسم التصوف، والتصوف منها براء!"([1]).

وعلى الرغم من هذا الاعتراف لم يتم توثيق حالات إنكار وضبط حقيقية لهذه المنكرات في تلك الموالد من قطاع النساء المتصوفات والدراويش والفقراء!! مما يكشف عن ثنائية مدهشة إذ ينتقد رموز التصوف وعمائمه الوجود النسائي المتبرج والمختلط في الفعاليات الثقافية العامة، لكنهم يغضون الطرف فعليا عما يحدث في واقعهم الصوفي! وفي الوقت ذاته يتم التباهي بضخامة أعداد أتباع الطرق من الرجال والنساء، وكيف أنها تصل لقلب المرأة القروية والشعبية، بعكس تيارات أخرى لا تتمكن من كسب المرأة لمقصدها.

 

الطبقة المثقفة من النساء الصوفيات

وهناك نمط مختلف من النساء المتصوفات المعاصرات في مصر، يقمن بدور وظيفي مختلف تماما، فهن وإن كن الأقل عددا إلا أنهن الأكثر تأثيرا في مد التصوف بدماء جديدة تحافظ على تقديم رؤية أكثر حداثة ومعاصرة لمسيرة التصوف ولوضعية المرأة ومكانتها فيه، وهو:

نمط المثقفات الصوفيات: كانت زميلتي طالبة الدراسات العليا في قسم الفلسفة الإسلامية تشرح لنا أطروحتها للماجستير عن طريقة صوفية شائعة في مصر، ولما سألتها عن سبب اختيارها لهذا الموضوع، لأنني كنت مندهشة من هذا الاختيار، فهي فتاة مثقفة يبدو عليها الذكاء والصلاح عكس الصورة الذهنية النمطية عن نساء الطرق الصوفية في ذهني، وكنت أريد أن أفهم دوافعها، ففوجئت بها تعتبر أطروحتها العلمية لونًا من ألوان الجهاد في مواجهة الهجوم الذي يتعرض له الصوفية عموما، وطريقتها خصوصا. وعرفت منها أنها زوجة لأحد المريدين، وأن هناك شبكة اجتماعية قوية لا تربط بين الشيخ ومريديه فقط، بل بين زوجة الشيخ وزوجات المريدين وأنهم يتزوجون من داخل تلك الدائرة، وبينهم رابطة وأسرة قوية.

اتحاد نسائي صوفي

على أن أهم تطور يمكن رصده للنسوة المتصوفات المعاصرات في مصر، فكرة الجمعية النسائية الصوفية التي أطلقتها السيدة ماجدة عيد، زوجة الشيخ محمد الشهاوي، شيخ الطريقة الشهاوية ورئيس اللجنة الخماسية لإدارة الطرق الصوفية آنذاك، وكان الهدف منها تأسيس أول جمعية صوفية مخصصة للنساء في مصر، بحيث تضم في عضويتها زوجات الشيوخ وزوجات المريدين من الطرق جميعها، إضافة لبعض الشخصيات النسائية الدينية العامة الداعمة للتصوف.

أما عن أهداف الجمعية فيمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

* وحدة نساء البيت الصوفي بكل طرقه.

* الدعوة للتصوف في الأوساط النسائية، أو كما تقول ماجدة عيد صاحبة التصور: "محو الأمية الدينية للنساء".

* مواجهة الفكر السلفي، حيث أوضحت ماجدة عيد أنها لاحظت انتشار الداعيات السلفيات على الفضائيات السلفية الدينية التي غزت البيوت ما كان له أثره فى انتشار الفكر السلفي، ومن هذا المنطلق فقد أثّرت هذه الفضائيات على النساء محدودي الثقافة، ولهذا وجدت أنه من الواجب التحرك والمبادرة بعملٍ ما لمقاومة هذه التيارات، والدفاع عن الصوفية في مواجهة الحملة التي تتعرض لها منذ فترة.

لذلك هي ترى كممثلة للنساء الصوفيات اللاتي ينتمين إلى طرق صوفية عديدة في مصر وجوب أن يكون لهن كيان رسمي للمشاركة في الدفاع عن الصوفية في الحرب التي تتعرض لها([2]).

وهو الهدف نفسه الذي ذكرته لي زميلتي الباحثة، وإن كان هناك يرتدي ثوبا أكاديميا ومرتبطا بطريقة واحدة، أما فكرة الجمعية فكانت أكثر التصاقا بالشارع بالإضافة للفكرة الطموحة في توحيد نساء البيت الصوفي، وإن كان البعض يشكك في إمكانية هذا التوحيد بسبب المنافسات البينية الواقعة بين هذه الطرق.

ولم يتم إشهار الجمعية بسبب التحفظات والأعراف الصوفية التي تُنظم عمل المشيخة العامة وتجعل الأنشطة الصوفية مركزية وتحت مظلتها الرسمية حيث لا يوجد وجود نسائي رسمي.

كما ساهم بذلك رفض المجلس الصوفي الأعلى لتصدر النساء المشهد الصوفي المعاصر، حيث لم تقبل مشيخة الطرق الصوفية تعيين ناريمان عبد الغفار شيخة للطريقة الأحمدية البدوية إلا أن هذا لم يمنعها من الممارسة الفعلية لأعمال شيوخ الطرق، وأصبح لديها بالفعل آلاف المريدين، وبحسب ما أعلنته ناريمان فإنه لا يشترط أن يكون الشيخ في منصب رسمي حتى ينشر التصوف([3]).

 

المتصوفات الرقميات

أيضا نجد المتصوفات الرقميات، ولهنّ دور كبير في الدعوة للتصوف، كنت أتابع صاحبة محتوى تشرح فيه كيف أنقذها الذكر الكثيف، خاصة الصلاة على النبي ﷺ من أزماتها النفسية التي جعلتها عميلة دائمة عند الأطباء النفسيين، وتدعو النساء للذكر للتخلص من المعاناة النفسية والتوتر وضغوط الحياة عبر قناتها على إحدى منصات التواصل، وبعد مدة أصبحت تقوم بالتصوير من داخل المساجد التي يوجد بها أضرحة وتقدم نصائح بالقرب منها، زاعمةً أن السكينة تتنزل في هذه الأماكن، وتضاعف أثر الذكر، هذه النوعيات من المتصوفات الرقميات ربما لا يتبعن أي طريقة ولكنهن يسرن على الطريق نفسه.

ويشبه ذلك فرق الإنشاد والمديح النسائية التي اشتهرت عبر منصات التواصل وهلّل لها الإعلام العلماني والتيار النسوي لكسرها الصورة النمطية لاحتكار الرجال للمديح.

ولا يمكن أن نغفل ملامح تيار ينمو (على الرغم من جذوره القديمة) من النساء اللاتي يمزجن بين الصوفية الفلسفية والديانات الروحية الشرقية، ويقمن بطقوس اليوجا والتأمل حيث أن  "مذهب اليوجا  يقوم على تحول الحواس عن العالم الخارجي وتركيز الفكر في الداخل بقصد التوحيد الروحي المعروف باليوجا مع الروح العلوية عن طريق التدريبات"([4])، وهذا التيار ربما لا  يستغرق في تفاصيل الأفكار وجذورها، ويكتفي بتلك الطقوس وببعض الجمل المفتاحية التي تتضمن هذا الفكر، ويدعي أنها تقوم بعمل استشفاء للجسد والعقل والروح، وبعض هؤلاء المدربات يذهبن للهند وبالي، وكثيرا ما يقمن  بعمل هذه الجلسات في المدن الشاطئية والحدائق الكبرى ويجتذبن قطاعا نسائيا من الطبقة فوق المتوسطة.  

 

النسويات المستفيدات من الفكر الصوفي:

وهناك نمط آخر خلاف نمط النساء الصوفيات المثقفات اللاتي ينتمين للبيت الصوفي من الداخل ويخضعن لقوانينه، وهو نمط النساء المدافعات عن الفكر الصوفي من خارجه.

وأعني النساء اللاتي ينتمين للفكر النسوي، ويجدن في التراث الصوفي دعما لأفكارهن عن المساواة المطلقة، لذلك نجد منهن عناية خاصة بفكر ابن عربي وآرائه التي تخدم الفكر النسوي العلماني، كقوله بجواز إمامة المرأة للرجل "فمن الناس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال والنساء وبه أقول ومنهم من منع إمامتها على الإطلاق ومنهم من أجاز إمامتها بالنساء دون الرجال"([5]).

وربما وجدت النسويات في أدبيات الفكر الصوفي وفلسفته ما يثبت تفوق الأنثى على الرجل في المجال الروحاني فـ"ربما يكون أسهل على النساء تحقيق التبصر الصوفي عن الرجال"([6]).  

يمكننا القول إن النسوية دخلت على خط التصوف مرتين: مرة عندما رأت في الدين الصوفي الدينَ الذي يدعو للمساواة المطلقة ولا يتعارض مع الفكر النسوي، ومرة عندما رأت في شيخات التصوف المسؤولات عن الساحات والمريدات اللاتي رفضت المشيخة الرسمية وجودهن، فصلا جديدا من الصراع بين الرجل والمرأة في الفضاء الروحي، لاستغلال الحضور النسائي المعاصر في تغيير قواعد السلطة الصوفية أو حتى إعادة إنتاجها بناءً على الدين الصوفي الذي يتم الترويج له محليا وعالميا.



مصادر ومراجع المادة

نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب مقالات

منزلة الإخلاص
مقالات

منزلة الإخلاص

مقدِّمةكان رسول الله ﷺ أشدَّ الرُّسل حرصًا على أمَّته وخوفًا عليها في أمور الدِّينِ والدُّنيا، وكان أشدَّ ما يخافُ عليهم الفتن وما هو أشدُّ منها؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "خرج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحنُ…

د. عماد يونس8 دقائقالعدد 11
التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام
مقالات

التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام

المقدمةشهد القرن العشرون وما بعده اتساع حضور التصوف الإسلامي في بيئات غربية، وظهور طرق ومؤسسات وشخصيات كان لها أثر بالغ في تعرّف الغربيين إلى الإسلام. وقد نبّهت د. عبير علي الموزان في دراستها المحكّمة «التصوف…

عادل خزرون التطواني8 دقائقالعدد 11
التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)
مقالات

التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)

الجزيرة السورية هي امتداد جغرافي سوري بين الفرات ودجلة، وتشمل اليوم محافظات: الرقة، ودير الزور، والحسكة، وهي بطبيعتها السكانية متنوعة الأعراق، فغالبها العرب، وفيها الكرد والسريان والشركس والتركمان، ومتنوعة من حيث…

د. سعيد العبد الله7 دقائقالعدد 11

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل