مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
مقالات

دور التَّصوف في انحطاط المجتمعات الإسلامية

يوسف سمرين 6 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 2
دور التَّصوف في انحطاط المجتمعات الإسلامية

أعدَّ د. إسماعيل راجي الفاروقي، ود. لويس لمياء الفاروقي كتابًا صدر بست لغات، ثم ترجم إلى العربية وطبع في مكتبة العبيكان، بعنوان (أطلس الحضارة الإسلامية) ومما تعرضا له التَّصوف ودوره في انحدار المجتمعات الإسلامية، ومما سجلاه في ذلك:

1- حلَّ الكشف أو الإشراق الرُّوحي محلَّ المعرفة، فهجر العالم الإسلامي التزامه بالمعرفة العقلية العلمية ومتابعتها لصالح التَّجربة الصُّوفية، وهجر الموازنة النقديَّة من أجل بيانات الشَّيخ أو الزَّعيم الصُّوفي الغامضة المبهمة السُّلطوية، وصارت الغلبة للميول الذَّاتية الغامضة بما ألحق الضَّرر بالعلوم كافة([1]).

وما قالاه يمكن رصدُ شواهده وأمثلته في التَّاريخ، ومن ذلك موقف المتصوِّفة من الشَّيخ الذي ينصّبونه زعيمًا عليهم، قال الشَّعراني (973هـ) في شرح منزلته بينهم: "واعلم يا أخي أنَّ الفقير ما دام تحت رعاية شيخه ملاحظًا له، فهو محفوظ من الشَّيطان، لارتباط ذلك الفقير بشيخه، وارتباط شيخه بالنَّبي ﷺ، وارتباط النَّبي بحضرة الله عزَّ وجلَّ، فلا يجدُ الشَّيطان له مسلكًا يدخلُ منه إلى قلب الفقير"([2])، وغير خفي تذكيرهم الدَّائم بما "قال المشايخ في أدب المريد: ينبغي أن يكون بين يديه كالميت بين يدي المغسِّل، فالميت هل يعترض على الغسَّال أن يغسل عضوًا من أعضائه، أم يحركه أو يتصرف فيه بما يرى من المصلحة؟"([3]).

وسجَّل الشَّعراني مثالًا على الوصايا الذَّاتية التي تقترب من الجَبر، كوصيَّة عليٍّ الخوَّاص الذي كان أميًّا لا يُعرف إلا بتعظيم المتصوِّفة له، إذ يوصي بألا يُمنح الفقراء المال! بحجَّة "أنَّ عقوبة ذلك ربما ترجعُ عليه، لمعارضتكم للأقدار الإلهية لغير طريق شرعي"([4])، أو بوصية المتبولي فقال: "كان سيدي إبراهيم المتبولي، رضي الله عنه، يقول لأصحابه: من أدرك منكم النِّصف الثَّاني من القرن العاشر فلا يشدِّد في إزالة منكرات الولاة، لأنَّ في ذلك الزَّمان تترادف علامات السَّاعة التي أخبر عنها الشَّارع، ومن شدَّد في منع وقوعها أصلا فكأنه ساعٍ في خُلف ما وعد به الشَّارع، ولا يخفى ما فيه!"([5])، وهو ما يندرج تحت وصف مؤلفي (الأطلس) بأنَّه "الرِّضا السَّلبي بما يحدث"([6])، أو بما يصفه مالك بن نبي بقوله: "الصُّوفي يخرج عن النِّظام الطَّبيعي للحياة، ويتخلَّص من مسؤولياتها عن طريق الأوراد والسُّبحة، كما يتخلَّص المنتحر العادي عن مسؤولياته بواسطة الخنجر، فالصُّوفي ينتحر بوسائل الرُّوح"([7]).

وبقيت كلمات المتصوِّفة تدور بينهم كأنها درَر وفوائد حتى في الجوانب الطِّبية ومن أمثلة ذلك ما سجَّله ميارة المالكي (1072هـ) في كتابه الموسوم بالدُّر الثمين فقال: "ذكر الشَّيخ زرُّوق في (النَّصيحة): إنَّ البول في الماء الراكد يورث النِّسيان، وكذا أكل سؤر الفأر والتُّفاح الحامض وكنس البيت بالخرقة، وأكل الكزبرة الخضراء وقراءة كتابة القبور، والنَّظر في المصلوب والمشي بين الجملين المقطورين أي: المربوطين، وطرح القمل على الطَّريق وإدمان النَّظر إلى البحر، قال ذكر ذلك الشَّيخ أبو طالب المكِّي"([8])، فأحال إلى شيخين صوفيين زرُّوق، وأبي طالب المكِّي كأنَّه بذلك أقام برهانًا، ووصلت هذه الطَّريقة ذروتها مع ما سجَّله المؤلفان فقالا: مع مرور الزَّمن امتزجت الرِّياضيات مع غيبيات الأرقام، والفلك مع التَّنجيم، وهندسة الطبيعة عمومًا مع الشَّعوذة.

ومن أمثلة ذلك ما نُسب إلى ابن برَّجان (536هـ) بأنَّه تنبأ بفتح القدس بالسَّنة، إذ "وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي -يعني ابن برَّجان- في أول سورة الرُّوم أخبار عن فتح بيت المقدس، وأنه ينزع من أيدي النَّصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة"([9])، وكان ذلك بجعله الأمر حسابات ينسبها إلى الآيات، وهناك شكٌّ معقول بوقوع التَّلاعب والتَّعديل بتفسيره كما سجَّله ابن خلِّكان (681هـ) فقال: "لم أزل أتطلب تفسير ابن برَّجان حتى وجدته على هذه الصُّورة، لكنَّ كان هذا الفصل مكتوبًا في الحاشية بخط غير الأصل، ولا أدري هل كان من أصل الكتاب أم هو ملحق به"([10])، ووصف السَّخاوي (902هـ) صنيع التَّنبؤ المزعوم بقوله: "بَنَى الْأَمْرَ عَلَى التَّارِيخِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُنَجِّمُونَ"([11]).

ومما سجَّله المؤلفان:

2- اعتماد المتصوِّفة على ذكر ما وُصف بأنَّه خوارق على يد الشَّيخ، وبذلك "تحطَّمت في عقل المسلم العلاقة الطَّبيعية بين السَّبب والنَّتيجة، بين الوسيلة والغاية، وحلَّ محلَّ ذلك علاقة المسلم بالشَّيخ الصُّوفي القادر على اجتراح الكرامات من أجله"([12])، ويمكن تصوُّر حال علم الأحياء مثلًا لو التفت إلى ما قاله الشَّعراني: "سيدي علي الخواص البرلسي، رحمه الله تعالى، من كراماته، رضي الله عنه، أنه كان يسمى بين الأولياء نسابة لكونه يعرف نسب بني آدم وجميع الحيوانات إلى آبائها الأول التي لم يتقدمها أب!"([13])، بل تحوَّل الأمر إلى هوس في نسبة الكرامات إلى مشايخهم حتى فيما لا تعلُّق له بخرق العادات، ومن ذلك ما قيل في ترجمة "محمد علي الطعمي الصُّوفي، ومن عظيم كراماته، رضي الله عنه، أنه ذهب ذات مرة إلى قرية العطيات بأبنوب أسيوط فخرج لاستقباله أغلب أهل القرية حتى نصارى القرية"([14])!

ومما ساهم فيه التَّصوُّف:

3- "الطَّاعة أو الانصياع لشيخ الطَّريقة الصُّوفية بشكل مطلق كامل، لا يقبل سؤالًا ولا جدالًا، وقد حلَّت هذه الفكرة محلَّ التَّوحيد الذي لا يعترف بمولى سوى الرَّب الواحد"([15])، وما قالاه لا يعدُّ مبالغة متى ما قورن بما نَسبه المتصوِّفة أنفسُهم إلى مشايخهم، ومن ذلك ما قاله الشَّعراني: "وقع للشَّيخ محمد الحنفي الشَّاذلي، رضي الله عنه، أنه مشى يومًا على بحر النِّيل ومعه تلميذه، وكان قد قال لتلميذه: قل في كلِّ خطوة: يا حنفي، فمشى معه إلى قريب السَّاحل، فقال التِّلميذ في نفسه: الله أعظم من الحنفي، فقال: يا الله، فغرق! فالتفت إليه الشَّيخ وقال: يا ولدي إنك لا تعرفه، فلو عرفته ما غرقت في البحر"([16])! فكان لا بدَّ أن ينتظم ذلك التِّلميذ في سلسلة هرمية من السُّلطة التي شكَّل قطاعَها الأوسع مجموعة من المشايخ الأموات، يدعوهم ويستغيث بهم من دون الله!

ولم يكن ذلك منفصلًا عن توزيع السُّلطة في المجتمع فضلًا عن تشويهه للمعتقد الإسلامي، فذلك الغلو في تمجيد الميت هو في الواقع تمجيد لشيخ الطَّريقة الحيِّ الذي يزيِّن ذلك لأتباعه، ليزيد من سُلطته عليهم، بما أنَّه حلقة في سلسلة هرم تلك السُّلطة التي تدَّعي أنَّها ستوصل السَّالك إلى الله، فأضحى بذلك شيخ الطريقة تابعًا لمجد مشايخه، كما قيل: "مجدُ شيخه أصبح مجدًا شخصيًا له"([17])، وبهذا يرفع من رتبة نفسه كلَّما بالغ في نسبة الكرامات المزعومة للأموات من مشايخه!

وينتهي المؤلفان إلى القول: "لقد أفسدت هذه الظواهر صحَّة المجتمع الإسلامي طوال خمسة قرون منذ سقوط بغداد على أيدي التَّتر عام 656هـ/1258م"([18])، ويمكن معرفة حجم تأثير تراكم الخطاب الصُّوفي منذ ذلك الحين، لا سيِّما بعد أن تبنى كثير منهم أطروحات ابن عربي الحاتمي (638هـ) ورموزه وأقواله في وحدة الوجود، ولا ينادونه إلا بالشَّيخ الأكبر، فقد كانت تلك الأطروحات بمجملها لا تتوقف على التَّأثير في الانحطاط الآني فحسب، بل تشمل المؤجَّل منه، في مقابل نشاط حركة الاستعمار الأوربي في القرن التَّاسع عشر.

وحتى مع تشكُّل حركات تأثرت بالتَّصوُّف وقاومت الاستعمار الحديث، إلا أنَّه بقيت ترتكب الأخطاء الاستراتيجية السِّياسيَّة الفادحة، لمشكلات تتعلَّق بالتركيبة الصُّوفية الفكرية والاجتماعية والمعرفية، وتجتمع في تلك الأخطاء رغم وجود اختلاف وفوارق بين الطُّرق الصُّوفية، فبعضها لا يصلُ إلى القول بوحدة الوجود مثلًا، وينادي بوحدة الشُّهود، لكنَّ ذلك لا يعفيها من المآخذ السَّابقة في تشكيل أرضية أضعفت المجتمعات، وساهمت في انحطاطها، وبقيت تركتها عاجزة عن تشكيل ندٍّ حقيقي في مقابل الحداثة الأوربية، وكثيرٌ من تلك الحركات بعد أن قدَّمت تضحيات جمَّة في مرحلة مقاومة الاستعمار اعتزلت إلى الزَّوايا في المجتمعات بعد الاستقلال، أو شكَّلت أداة لتبرير السُّلطة الجديدة القائمة لا لنقدها أو تطويرها، وكان التَّصوُّف ذا مساهمة جوهرية في رسم هذا المسلك.



مصادر ومراجع المادة

  • أطلس الحضارة الإسلامية، إسماعيل راجي الفاروقي، لويس لمياء الفاروقي، مكتبة العبيكان، ص 437.
  • تطهير أهل الزوايا من خبائث الطوايا، عبد الوهاب الشعراني، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكرز للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى: 2012، ص 83.
  • وصية زين الدين الخوافي، مخطوط، مكتبة آيا صوفيا [٢١٥٥]، ق ٣٧، باختصار يسير.
  • تطهير أهل الزوايا، ص 37.
  • لطائف المنن والأخلاق في وجوب التحدث بنعمة الله على الإطلاق، عبد الوهاب الشَّعراني، اعتنى به: أحمد عزو عناية، دار التَّقوى، دمشق-سورية، الطَّبعة الأولى: 2004م، ص 189.
  • أطلس الحضارة الإسلامية، ص 438.
  • تأملات، مالك بن نبي، دار الفكر المعاصر- بيروت، دار الفكر- دمشق، ٢٠٠٢م، ص ٤٤، باختصار يسير.
  • الدر الثمين والمورد المعين، ميارة بن أحمد المالكي، دار الحديث- القاهرة، 1429هـ- 2008م، ص 140.
  • البداية والنِّهاية، ابن كثير، تحقيق: عبد الله التركي، دار هجر، الطَّبعة الأولى: 1417هـ- 1420هـ، 16/592.
  • وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ابن خلِّكان، دار صادر، بيروت- لبنان، الطَّبعة الأولى: 1971م، 4/230.
  • البداية والنِّهاية، ابن كثير، 16/592.
  • أطلس الحضارة الإسلامية، ص 437.
  • لطائف المنن والأخلاق، ص 55.
  • النور الأبهر في طبقات شيوخ الجامع الأزهر، محيي الدين الطعمي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى: ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م، ص ١١٩، باختصار يسير.
  • أطلس الحضارة الإسلامية، ص 438.
  • الفتح في تأويل ما صدر عن الكمَّل من الشطح، عبد الوهاب الشعراني، عن مخطوط أوقاف بغداد برقم 7071، ومخطوط دار المخطوطات رقم 2341، مطبوع مع كتاب أبو يزيد البسطامي، المجموعة الصوفية الكاملة، تحقيق وتقديم: قاسم محمد عباس، الناشر: المدى، الطبعة الأولى 2004م، ص 140.
  • الإخوة كارامازوف، دوستويفسكي، ترجمة: سامي الدروبي، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، الطبعة الأولى: 2010م، 1/78.
  • أطلس الحضارة الإسلامية، ص 438.
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب مقالات

منزلة الإخلاص
مقالات

منزلة الإخلاص

مقدِّمةكان رسول الله ﷺ أشدَّ الرُّسل حرصًا على أمَّته وخوفًا عليها في أمور الدِّينِ والدُّنيا، وكان أشدَّ ما يخافُ عليهم الفتن وما هو أشدُّ منها؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "خرج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحنُ…

د. عماد يونس8 دقائقالعدد 11
التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام
مقالات

التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام

المقدمةشهد القرن العشرون وما بعده اتساع حضور التصوف الإسلامي في بيئات غربية، وظهور طرق ومؤسسات وشخصيات كان لها أثر بالغ في تعرّف الغربيين إلى الإسلام. وقد نبّهت د. عبير علي الموزان في دراستها المحكّمة «التصوف…

عادل خزرون التطواني8 دقائقالعدد 11
التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)
مقالات

التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)

الجزيرة السورية هي امتداد جغرافي سوري بين الفرات ودجلة، وتشمل اليوم محافظات: الرقة، ودير الزور، والحسكة، وهي بطبيعتها السكانية متنوعة الأعراق، فغالبها العرب، وفيها الكرد والسريان والشركس والتركمان، ومتنوعة من حيث…

د. سعيد العبد الله7 دقائقالعدد 11

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل