مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
مقالات

المولد النبوي وفق قواعد المالكية

الحضرمي أحمد الطلبة 8 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 0
المولد النبوي وفق قواعد المالكية

لا يشك مسلم في أن مِن أعلى عرى الإيمان، وأوثقها، أن يكون المسلم متصفا بكمال محبة رسول الله ﷺ حتى يلامس شغاف قلبه، ويكون هواه تبعا لما جاء به، ولا يضنّ بشيء من مشاعر المحبة على رسول الله ﷺ؛ فمحبة رسول الله ﷺ فوق محبة النفس والأهل والمال، وكل غال في سبيلها رخيص، وكل محبوب غير الله جل وعلا؛ فإنه لن يكون له من الجمال، ولا من الكمال، ولا من الاستحقاق ما لرسول الله ﷺ، ومِن رفق الله بعباده أن شرع لهم سبل التعبير عن محبة رسوله ﷺ، وبيَّن لهم طريق ذلك.

فكان من كمال أوصاف النبي ﷺ حرصه على المؤمنين، ورفع العنت عنهم، مع حرصه على إرشادهم إلى الخير في كل ما يقربهم من الله عز وجل، ففرّق بين أمرين: بين الوجدانيات، وبين أعمال الجوارح؛ فمحبة الإنسان القلبية لنبيّه ﷺ لا حدود لها، ولْيَعْلُ([1]) فيها ما شاء، فعن ‌عَبْد اللهِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ‌حَتَّى ‌أَكُونَ ‌أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الْآنَ يَا عُمَرُ"([2]).

ولكن حين يتعلق الأمر بالأعمال؛ فإن من إجلال رسول الله ﷺ الوقوف عند شريعته، واعتقاد هيمنتها على المكلف، إذ لا سبيل إلى رضا الله عز وجل شرعا إلا بالتزام هديه؛ فمن كمال محبته اعتقاد خيرية هديه؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: "فإن خير الأمور كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"([3]).

وهنا يقع الفرق بين المحبة المورثة للاتباع، وكمال الاقتداء، وبين المحبة التي هي على هوى المكلف، الذي لا يقف حيث وقف رسول الله ﷺ، وهذا الباب لهيبته وعظمته يصعب الكلام فيه فكمال قال بعضهم:

هَذا مَقامٌ مِنَ الرحمَنِ مُقتَبَسٌ        تَرمي مَهابَتُهُ سَحبانَ بِالبَكَمِ

فَقَلَّ من يتكلم فيه إلا تلعثم، ومن يفصل فيه إلا تَلَكَّأ، وبقي في نفسه أشياء لا يستطيع التعبير عنها لَكِنْ قضى الله عز وجل أن شرعه حَكَمٌ بين الخلائق، وسنة نبيه ﷺ حكمة، وبيان وهدى، فلا يكون شيء مما يهدي إلى الله مشتبها اشتباها مطلقا على جميع الأمة.

وقد خفض الناس ورفعوا في شأن المولد النبوي الشريف واعتبار يوم مولده عيدا وإحيائه، والاحتفال به، وقد سلك المجيزون لذلك طرائق قددا، فمنهم من يوجبه ويثرب على المخالف إلى درجة اتهامه بعدم محبة رسول الله ﷺ، وحسبك بها تهمة في الْغِلَظِ، وبهتانا عظيما في القذف، فلا يقذف مسلم في عرضه بقذف أشد من عدم محبة النبي ﷺ، ومن باب التوسع في الاستدلال حاول بعضهم ربط الموضوع بمعتمد المذاهب، وفق خلاصات المتأخرين، واستحسانهم الذي لا يعد تخريجا، وهذه الجزئية هي التي سنناقش الموضوع من خلالها، خاصة في المذهب المالكي، لنرى من هو الأحظى بالاتباع، والمذهب في هذه المسألة، ونبدأ بالقواعد ثم الأقوال التي تشهد لإعمالها:

فنقول وبالله التوفيق إن المسألة التي نحن مختلفون فيها لو قدر أنها شرعت في الدين، أو نزل بها الوحي من السماء، لكانت في أعلى مراتب التعبد؛ لأنها تتعلق بمقام رسول الله ﷺ؛ ومن ثم ليس لقائل أن يجيزها على أنها عادة فيسلك بها سبيل المعنى، ويطلب الدليل على المنع، بدل العكس، بل هي قربة من أعظم القربات، ولا سبيل إلى تجويزها إلا على سبيل التعبد، ولنا في منعها من هذه الجهة مسلكان:

المسلك الأول: قاعدة الترك المطلق، والترك المطلق نحتج به من جهة واحدة وهي أن الفعل المتروك لو قدر أن رسول الله ﷺ يفعله فعلى أي وجه يفعله؟

ولن يجيب المجيب إلا بأحد ثلاثة أمور:

- أنه يفعل على وجه الجبلة وهذا لا متمسك بالترك للدلالة على المنع.

- أنه يفعله على وجه التعلل؛ وهذا أيضا لا متمسك بالترك فيه للدلالة على المنع.

- أنه يفعله على وجه التعبد، وهذه التي يستحيل أن يترك النبي ﷺ الفعل ويكون تركه مرسلا من الدلالة على المنع، فلو قدر أن رسول الله ﷺ شرع جعل يوم مولده عيدا أو شرع جعل شهر يوم مولده شهرا خاصا لما كان في الأولى دون العيدين في المشروعية والفضل، وما كان في الثانية دون رمضان وأشهر ذي الحجة، أما وقد أهمل رسول الله ﷺ تخصيص يوم مولده وتعيينه وشرع عبادة مخصوصة في اليوم من حيث هو يوم في السنة فإن هذا يدل على إرادة الترك من الشارع، ولعل ذلك لحكمة عدم التشبه بالنصارى وغيرهم من أهل الملل.

المسلك الثاني: أنه لو قدر أنه ورد في المولد حديث صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ يدل على مشروعية يوم مولده وجعله عيدا، والاحتفال به، ثم لم يؤثَر عن رسول الله ﷺ عمل فيه، ولا عن خلفائه ولا عن صحابته، ولا وجده مالك عند أهل المدينة؛ فإن هذا سيكون متمسكا قويا وفق قواعد المذهب في ترك العمل بهذا الحديث، أو تأوله، أو ادعاء نسخه؛ فإن أمرا كهذا في العظمة لا يؤثر عن الصحابة أثر فيه، ولا  عن أهل المدينة عمل به، لا في أول أمرهم قبل الخلاف، ولا فيما بعد الخلاف مظنة لترك الظاهر والعدول عنه، وعد الجزم بصحة الرواية وإن صحت ظاهرا، وهذا مسلك قوي لمن تأمله ويكشف أن التمذهب في المسألة ليس إلا ذكاة للبدعة.

وهذان المسلكان يعتمدهما المالكية في كثير من أبواب الفقه كما هو معلوم حتى في غير مسائل التعبد كما هو حالهم في المسلك الثاني مع حديث البيعان بالخيار، والمسلك الأول عليه اتكأ الشاطبي في تحرير محل النزاع في سكوت الشارع فقسمه إلى ضربين:

الضرب الأول: "أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقدر لأجله؛ كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله ﷺ؛ فإنها لم تكن موجودة، ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك؛ فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها، وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم؛ كجمع المصحف، وتدوين العلم، وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك مما لم يجرِ له ذكر في زمن رسول الله ﷺ، ولم تكن من نوازل زمانه، ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها؛ فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعا بلا إشكال؛ فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل.

الضرب الثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم، فلم يُقَرَّرْ فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان؛ فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه؛ كان ذلك صريحا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع؛ إذا فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك، لا الزيادة عليه ولا النقصان منه"([4]).

ولهذا أمثلة كثيرة في فقه مالك، منها كراهة مالك لسجود الشكر في بعض المواضع، وعلل ذلك بأنه لم يمضِ عليه أمر الناس([5]) وأمثلتها في العبادات وفي النسك أكثر من أن تحصى، ولو تتبعناها لخرجنا عما يسمح به المقال من الاختصار فلتنظر في مظانها([6]).

ومن ناحية أخرى، لنا أن نحتج بما تقرر عند الفقهاء في المذهب وغيره من أن ما سُلِكَ به مسلك التعبد طُلِبَ الدليل على أصله، ووصفه، فلا يكون أصل المشروعية كافيا في المشروعية، فلا يكفي الأمر بالوضوء لمشروعية هيئة الوضوء، ولا يكفي الأمر بالصلاة لمشروعية هيئة صلاة معينة؛ ولذا تجد أهل المذهب كرهوا بعض صور الدعاء مثل الدعاء عند الذكاة بدل التكبير والتعظيم([7]) ومثل وضع الخدين على الحجر الأسود بدل تقبيله([8]).

وفي قضيتنا محل النقاش تجد بعض المالكية ممّن منعها يسلك المسلك نفسه في القواعد، ويردها للأسباب التي ذكرنا، ومِن ذلك ما نقله الونشريسي عن أبي عبد الله الحفار عندما سئل عمّا يعمل في المولد فقال:" وليلة المولد لم يكن السلف الصالح، وهم أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم، يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة، لأن النبي ﷺ لا يعظم إلا بالوجه الذي شرع فيه تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله، لكن يتقرب إلى الله جل جلاله بما شرع، والدليل على أن السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها، فقيل إنه ﷺ ولد في رمضان، وقيل في ربيع، واختلف في أي يوم ولد فيه على أربعة أقوال، فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلق ﷺ لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف، ولكن لم تشرع زيادة تعظيم، ألا ترى أن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه، وقد نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله، فدلّ هذا على أنه لا تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إن شرعت، وما لم يشرع لا يفعل، إذ لا يأتي آخِر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها.

ولو فتح هذا الباب لجاء قوم فقالوا: يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد.

ويقول آخرون: الليلة التي أسري به فيها حصل له من الشرف ما لا يقدر قدره، فنحدث فيها عبادة.

فلا يقف ذلك عند حد، والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له، فما فعلوا فعلناه، وما تركوا تركناه.

فإذا تقرر هذا ظهر أن الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعا، بل يؤمر بتركه، ووقوع التحبيس عليه مما يحمل على بقائه واستمرار ما ليس له أصل في الدين، فمحوه وإزالته مطلوب شرعا"([9]).

وبنحو قوله قال أحمد القباب([10]) والونشريسي نفسه([11]) وابن الحاج في المدخل([12]) وأبو أسحاق الشاطبي، فقد سئل عن الوصية بالثلث لإقامة المولد فرده وأبطل الوصية ومنعها للبدعة([13]) ووقعت ردود ومناقشات طويلة بين محمد بن الحسن الحجوي بعد تأليفه كتابه: "صفاء المورد بعدم القيام عند سماع المولد" وعبد الهادي بن محمد التادلي المكناسي حول الموضوع.

ويتحصل مما سبق أن القول بمنع الاحتفال هو الجاري على أصول مالك وقواعده، وبه نطق نظار المذهب، ومحققوه، فمن رام جعل القضية مذهبية معتمدة، وهو يريد تجاوز الأعلام ممن ذكرنا وتطويع القواعد التي نقلنا فليبْتغِ نفقا في الأرض أو سلّما في السماء.



مصادر ومراجع المادة

  • من العلو بعين مهملة.
  • البخاري، رقم (6632).
  • سنن ابن ماجه، رقم (45).
  • الموافقات، 3/158.
  • البيان والتحصيل، 3/198.
  • "قَالَ مَالِكٌ فِي الْحَدَثِ الَّذِي يَذْكُرُهُ: مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: ‌لَيْسَ ‌عَلَيْهِ ‌الْعَمَلُ وَلَا أَرَى أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَلَا يَقْنُتَ فِي رَمَضَانَ لَا فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ، وَلَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَلَا فِي الْوِتْرِ أَصْلًا"، المدونة، 1/289.
  • المدونة، 1/445.
  • المصدر السابق، 1/419.
  • المعيار المعرب، 7/99.
  • نفسه، 12/48.
  • نفسه.
  • المدخل، ابن الحاج، 1/86.
  • المعيار المعرب، 9/252.
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب مقالات

منزلة الإخلاص
مقالات

منزلة الإخلاص

مقدِّمةكان رسول الله ﷺ أشدَّ الرُّسل حرصًا على أمَّته وخوفًا عليها في أمور الدِّينِ والدُّنيا، وكان أشدَّ ما يخافُ عليهم الفتن وما هو أشدُّ منها؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "خرج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحنُ…

د. عماد يونس8 دقائقالعدد 11
التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام
مقالات

التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام

المقدمةشهد القرن العشرون وما بعده اتساع حضور التصوف الإسلامي في بيئات غربية، وظهور طرق ومؤسسات وشخصيات كان لها أثر بالغ في تعرّف الغربيين إلى الإسلام. وقد نبّهت د. عبير علي الموزان في دراستها المحكّمة «التصوف…

عادل خزرون التطواني8 دقائقالعدد 11
التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)
مقالات

التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)

الجزيرة السورية هي امتداد جغرافي سوري بين الفرات ودجلة، وتشمل اليوم محافظات: الرقة، ودير الزور، والحسكة، وهي بطبيعتها السكانية متنوعة الأعراق، فغالبها العرب، وفيها الكرد والسريان والشركس والتركمان، ومتنوعة من حيث…

د. سعيد العبد الله7 دقائقالعدد 11

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل