من أكثر العبارات التي تتردد في بعض السجالات العقدية المعاصرة أن ابن تيمية أو أهل الحديث يقولون إن الله سبحانه وتعالى «شاب أمرد». وتُستخدم العبارة أحيانًا على سبيل التعيير المذهبي، وكأنها تلخص موقف السلفيين من صفات الله تعالى.
لكن هذه القضية، إذا أُريد بحثها بحثًا علميًا، لا تُحسم بالتهويل أو بالتنفير، وإنما بالعودة إلى النصوص ذاتها: ماذا قال الذين يُنسب إليهم هذا القول؟ وهل هم متفقون على صحة الحديث؟ وكيف فهموا الروايات التي تتحدث عن رؤية الله في صورة؟ ثم ماذا نجد في المقابل عند بعض أعلام التصوف حين تحدثوا عن هذه الروايات ذاتها؟ وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف!
فالروايات المتعلقة برؤية الله في المنام، ومنها الروايات التي ورد فيها وصف «شاب» أو «شاب أمرد»، كانت محل بحث بين المحدثين والمتكلمين والصوفية، واختلفوا في أسانيدها وألفاظها وفي طريقة فهمها. ولذلك لا يصحّ أن نأخذ لفظًا من رواية، ثم نقفز منه مباشرة إلى القول بأن طائفة كاملة تعتقد أن الله تعالى في ذاته على تلك الصورة.
موقف ابن تيمية:
والأهم من ذلك أن كلام ابن تيمية نفسه، وهو الاسم الذي كثيرًا ما يُستحضر في هذه القضية، لا يؤيد هذا التصوير. ففي بيان تلبيس الجهمية، أثناء حديثه عن رؤية الله في المنام، يقرر ابن تيمية أن الإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، لكنه يضع قيدًا بالغ الأهمية، فيقول: "ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام؛ فإن سائر ما يرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلًا"([1]).
ثم يضرب لذلك مثالًا برؤيا يوسف عليه السلام، إذ رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا يسجدون له، مع أن حقيقة الرؤيا لم تكن أن الأجرام السماوية نفسها سجدت له، وإنما كان لها تأويل يتعلق بأبويه وإخوته، والفكرة التي يريد ابن تيمية تقريرها هنا واضحة وهي أن: الرؤيا الرمزية شيء، وحقيقة المرئي شيء آخر؛ فقد يرى الإنسان في المنام شيئًا على صورة معيّنة، ولا يلزم من ذلك أن تكون الحقيقة الخارجية مطابقة لتلك الصورة.
وبناءً على ذلك، حتى لو قُبلت رواية رؤية الله في المنام، لا يلزم منها أن يكون الله تعالى في ذاته على الصورة التي رآها النائم.
وهذا التفريق مهم جدًا في مناقشة تهمة «الشاب الأمرد»، لأن إثبات رواية عن رؤية في المنام لا يساوي إثبات أن الله تعالى شاب أمرد في ذاته.
ولهذا نجد عند عدد من العلماء الذين تعاملوا مع هذه الروايات اتجاهًا إلى حملها على المنام. فقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال عند حديثه عن هذه الرؤية: "وهذه الرؤية رؤيا منام إن صحّت"([2]).
موقف الصوفية:
نُقل عن أبي القاسم القشيري، وهو من أعلام التصوف، كلام قريب من هذا المعنى؛ إذ ذكر أن من رأى ربه في المنام على وصفٍ يتعالى عنه، وهو يعلم أن الله منزه عن ذلك ولا يعتقده في صفته تعالى، فلا تضره تلك الرؤيا، ويكون لها وجه من التأويل. ونَقل صاحب مرقاة المفاتيح عن القشيري أيضًا أن الواسطي قال: "من رأى ربه في المنام على صورة شيخ، عاد تأويل ذلك إلى الرائي، وهو إشارة إلى وقاره وقدر محله"([3]).
إذن، حتى داخل التراث الصوفي نفسه، نجد تفسيرًا يجعل الصورة المنامية رمزًا وتأويلًا، لا وصفًا لذات الله تعالى.
لكن المفارقة تبدأ عندما ننتقل من هذا الاتجاه إلى نصوص أخرى عند أعلام التصوف، فنجد أن المسألة لا تقف عند مجرد القول بأن الصورة لها تأويل، كما في الأمثلة الآتية:
1- عبد الكريم الجيلي في الإنسان الكامل: فالجيلي يتحدث صراحة عن الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ رأى ربه «في صورة شاب أمرد»، ثم يقول: "الحديث بكماله أعطانا الكشف فيه أنه واقع صورة ومعنى"، ثم يشرح ماذا يقصد بـ«الصورة»، فيقول:
أما الصورة: "هو تجلي الحق سبحانه وتعالى في الصورة المذكورة المعينة المحدودة"([4]).
وهنا ينبغي أن نتوقف، فالجيلي لا يقول إن لها تأويلاً، بل يُدخل الرواية في مفهوم التجلي، ويصفها بأنها واقعة «صورة ومعنى»، ثم يفسر الصورة بأنها تجلي الحق سبحانه في الصورة المذكورة!
وهذا لا يعني أن الجيلي يقول إن ذات الله تعالى هي ذلك الشاب المخلوق، ولا يصح اختزال فلسفته في هذه العبارة. فالتجلي عنده مفهوم له بناء خاص، وهو يفرق بين الحق في ذاته وبين صور التجليات. لكن هذا لا يغيّر حقيقة النص من أن الجيلي نفسه يتحدث عن الحديث بصيغة «الشاب الأمرد»، ويقول إنه واقع صورة ومعنى، ويجعل الصورة من صور تجلي الحق!
وهنا يصبح من الصعب فهم سبب استخدام عبارة «الشاب الأمرد» كسلاح في وجه السلفيين –رغم وضوح موقفهم-، وكأن مجرد التعامل مع الرواية أو مناقشتها يثبتها عليهم عقيدةً، بينما نجد عند بعض كبار المتصوفة نصوصًا صريحة في إدخالها ضمن باب التجلي.
2- نظير ذلك عند عبد الوهاب الشعراني في الموازين الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية نجد حديثًا عن رؤية الذات المقدسة، ثم يقول في موضع الشاهد: "وهذا المثال هو المراد بقوله ﷺ: "رأيت ربي في أحسن صورة"، وفي رواية: "في صورة شاب"، وهو المراد أيضًا بقوله ﷺ: "خلق الله آدم على صورته"([5]).
واللافت في هذا النص أن الشعراني لا يتعامل مع الرواية باعتبارها مجرد خبر حديثي منفصل، وإنما يضعها داخل منظومة من النصوص المتعلقة بـالصورة والمثال.
3- ثم نجد نصًا آخر في جواهر المعاني وبلوغ الأماني، حيث ترد عبارة «رأيت ربي في صورة شاب» في سياق الحديث عن (الحقيقة المحمدية).
فبعد الحديث عن علم النبي ﷺ، يرد في الكتاب أن هذه العلوم كانت «مكنوزة في حقيقته المحمدية»، وأنها لم تكن معلومة له قبل النبوة على الوجه الذي صارت عليه بعد رفع الحجب، ثم يأتي موضع الشاهد: "حتى إذا كان زمن النبوة رفع الله عنه الحجب، وأراه في حقيقته المحمدية، يشهد لذلك قوله ﷺ: رأيت ربي في صورة شاب"([6])، وهذا النص جاء ضمن تصور عن الحقيقة المحمدية ورفع الحجب، ورؤية الحق عز وجل عند بعض الصوفية.
إقرار السبكي شهرة الحديث عند الصوفية:
يعترف تاج الدين السبكي -فيما نقله عنه العجلوني- أن هذا الحديث منتشر عند المتصوفة، فيقول: "حديث "رأيت ربي في صورة شاب أمرد هو دائر على ألسنة بعض المتصوفة، وهو موضوع مفترى على رسول الله ﷺ"([7]).
ثم يتابع العجلوني معقبًا على كلام السبكي: "ولكن في اللآلئ عن ابن عباس رفعه "رأيت ربي في صورة شاب له وفرة"، وروى "في صورة شاب أمرد"، قال ابن صدقة عن أبي زرعة: حديث ابن عباس لا ينكره إلا معتزلي، وروى في بعضها رآه بفؤاده، والحديث إن حُمل على رؤية المنام فلا إشكال، وإن حمل على يقظة فأجاب عنه ابن الهمام أن هذا حجاب الصورة"([8]).
وهنا تتضح نقطة مهمة في المقارنة:
عند كثير من الصوفية، فنحن أمام لغة «التجلي»، و«الصورة»، و«المعنى» و«كشف الحجب لرؤية الله».
وفي المقابل، نجد ابن تيمية أكثر وسطيةً واعتدالاً، حين يقول: إن الإنسان قد يرى ربه في المنام، ثم يؤكد أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رآه في المنام، فهو يفصّل بوضوح بين الرمز الذي تحصل في الرؤيا وبين الذات الإلهية.
بل يقول ابن تيمية بشكل صريح: "إن كل حديث فيه: أن النبي - ﷺ - رأى ربه بعينيه في الأرض.. كل هذا كذبٌ باطلٌ باتفاق علماء المسلمين من أهل الحديث، وغيرهم، وكذلك كل مَن ادّعى أنه رأى ربه بعينيه قبل الموت، فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة؛ لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحدًا من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت"([9])، ومن هنا يمكن فهم الخطأ الذي يقع فيه بعض الخطاب الأشعري المعاصر.
إذن من التبسيط المُخلّ أن يُقال إن ابن تيمية أو غيره «يصحح حديث الشاب الأمرد» لغرض التشنيع، فهذه سطحية في تناول الموضوع، بل ينبغي أن نسأل: كيف فهم ابن تيمية هذا الحديث؟
فمجرد أن عالمًا من أهل الحديث يناقش رواية «رأيتُ ربي في صورة»، أو حتى يصحح طريقًا من طرقها، لا يعني أنه يقول: «الله شاب أمرد»، بل لا بد من إثبات هذه النتيجة من كلامه هو.
وإذا رجعنا إلى ابن تيمية، وجدنا النص على خلاف ذلك تمامًا: "ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام"، وهذه العبارة وحدها كافية لإثبات أن نسبة الاعتقاد بأن صورة المنام هي صورة الله في ذاته إلى ابن تيمية ليست نقلًا أمينًا لموقفه.
إذن فالمشكلة ليست في أن يكون هناك حديث اختلف العلماء في صحته أو فهمه، وإنما في الطريقة الشعبوية التي تُنسب بها الأقوال إلى أصحابها.
وإذا كان المراد نقد ابن تيمية فحيهلا، لكن النقد ينبغي أن ينطلق من كلامه الحقيقي، لا من كلام لم يقله. وإذا كان المراد مناقشة التصوف، فليس من العلمي أيضًا أن نتجاهل النصوص الموجودة في كتب أعلامه.
والأدق في النهاية أن نقول: إن عبارة «الشاب الأمرد» لها حضور في بعض الروايات، وقد تعامل معها علماء مختلفون بطرق متعددة؛ فمنهم من ضعّف الحديث، ومنهم من صحّحه وحمل الرؤية على المنام والتأويل، ومنهم من أدخل الرواية في مباحث التجلي والصورة، كما يظهر بوضوح عند الجيلي وغيره.
أما تحويل هذه المسألة إلى اختزال من قبيل «السلفيون يقولون إن الله شاب أمرد»، فهو لا يفي بشرط بسيط من شروط البحث العلمي وهو: أن تنسب إلى كل عالم ما قاله هو، وأن تقرأ عبارته في سياقها، وأن تفرّق بين الرواية، وتفسير الرواية، والعقيدة التي ينتهي إليها صاحبها، وهذه القاعدة لا تحمي السلفيين ولا الصوفية من النقد؛ لكنها تحمي البحث العلمي نفسه من العبثية، أو أن يتحول إلى مجرد تناحر مذهب




