مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
مقالات

التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)

د. سعيد العبد الله 7 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 0
التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)

الجزيرة السورية هي امتداد جغرافي سوري بين الفرات ودجلة، وتشمل اليوم محافظات: الرقة، ودير الزور، والحسكة، وهي بطبيعتها السكانية متنوعة الأعراق، فغالبها العرب، وفيها الكرد والسريان والشركس والتركمان، ومتنوعة من حيث التركيبة الدينية، فغالبها مسلمون سنة، وفيها الإيزيديون، والنصارى الأرثوذوكس، ويبدو على المشهد الإسلامي سيطرة الطرق الصوفية بشدة، حيث تنتشر العديد من الطرق الصوفية التي لعب نظام حافظ وبشار الأسد على دعمها وتوطيد وجودها، وهذه الدراسة تستند إلى الواقع والمشاهدة أكثر من التوثيق الأكاديمي، لأنه لا توجد دراسات علمية وأبحاث مكتوبة عن هذه الطرق والبيوتات العلمية والصوفية.

الطرق الصوفية في محافظة الحسكة

تتعدد الطرق والمشارب الصوفية في الحسكة، ومنها:

أولاً: الطريقة الخزنوية النقشبندية

 وهي طريقة صوفية، مغرقة في التصوف، وهي أكثر الطرق انتشارًا وأكثرها نشاطًا، ويعد تعظيم الشيخ واستحضار صورته عند التوبة، والتوبة بين يديه، والاستغاثة به، من خواصها الواضحة، وتنتشر بين الكرد بشكل واضح، كما لعب النظامان السوري والتركي على دعمها بشكل كبير جدًا، ونشرها بين العرب، وقد افتتحوا مدرسة كبيرة في قرية تل معروف، وبعد تدميرها انتقلوا إلى قرية تل عرفان في ريف الحسكة، حيث اشتروا أراضي برية بعيدة عن السكان، واستحدثوا قرية كاملة، ومعهدًا، ومسجدًا، وقصرًا للضيافة، ويستقبلون في كل عام أكثر من 1000 طالب، حيث يقدمون السكن والطعام واللباس طوال السنة، وهذا جعل الناس تجد فيهم ملجأً لأولادهم، ويدرسون القرآن والتصوف والفقه.

 وقد حصلوا على دعم كبير جدًا من حزب العمال الكردستاني الذي استغلهم وسخّرهم لخدمة منهجه العلماني، فاستحدث عن طريقهم مؤسسات الإسلام الديمقراطي العلماني، التي تدعو لترك الحجاب، وتتبنى النسوية، وتروج للمساواة في الإرث، وقد سلمهم الحزب غالب مساجد الجزيرة، خلال مدة الحرب السورية.

ثانيًا: الطريقة العبيدية القادرية

في مدينة عامودا وما حولها، وتنتشر هذه الطريقة بين العرب والكرد، وعندهم تكية كبيرة في عامودا، يؤذن فيها ولا تقام فيها صلوات الجماعة، ولا يجتمعون فيها إلا في مناسبات الطعام، كميلاد الشيخ، أو المولد النبوي، وقد كانت صورة الخميني معلقة في صدر التكية إلى عهد قريب، وبعد اندلاع الثورة تمت إزالتها، وهذه الطريقة عبارة عن طقوس صوفية مبتدعة، وليست معهدًا يدرس فيه الطلاب، وإنما هم من المتصوفة التي تضرب الشيش وتمارس الشعوذات والسحر.

ثالثًا: بيت حقي العلواني النقشبندي

وهم بيت علم، ولهم مكانتهم الاجتماعية الكبيرة في الجزيرة، لكونهم من البيوت العلمية المنضبطة، وقد خرج فيهم علماء أفاضل حفظوا دين الناس، وحاربوا بدع الخزنوية والعبيدية والتشيع، وكان منهم الشيخ عدنان حقي، والدكتور أحمد معاذ العلواني، والدكتور أحمد يميل إلى السلفية، ويسعى إلى نقل أتباعه ومنطقته إلى المنهج السلفي بطريقة تدريجية، ذلك أنه درس ودرَّس في جامعات المملكة، وكتبه تدل على ذلك، وينتشر تأثير بيت حقي في مدن القحطانية وتل حميس والجوادية، وكذلك في مدينة القامشلي، حيث يشرفون على المدرسة الشرعية "الثانوية" فيها، وهذا البيت بعيد كل البعد عن التشيع، وهو أقرب للمنهج السني الملتزم منه إلى التصوف، لكن الإرث التاريخي للبيت لوَّنهم بطابع التصوف.

رابعًا: بيت الديرشوية

وهم بيت علم متصوف، لكنه منضبط نوعًا ما، وهم كبيت حقي العلواني في محاربتهم للطرق الصوفية المبتدعة والمنحرفة، إلا أن أثرهم أضعف من بيت حقي، حيث ينتشر تأثيرهم في مدن المالكية ومعبدة بشكل رئيس، إلا أن سمة التصوف فيهم واضحة.

خامسًا: مؤسسة الإسلام الديمقراطي

وهي مؤسسة سياسية، تتبع للأحزاب السياسية الكردية العلمانية، وكل أعضاء هذه المؤسسة من أتباع الطرق الصوفية، من خزنوية وغيرها، وقد وجدت هذه المؤسسة لإيجاد إسلام مناسب للعلمانية، حيث تتبنى بمشايخها والقائمين عليها العلمنة، بكل ما فيها من فصلٍ للدين عن الدولة، وحصر الدين في المساجد، ولذلك يتبنون طروحات محمد حبش بشكل صريح، في جواز النسخ، بل وجوبه، وأن الحجاب أدب لا فرض، بل إن الكتب المعتمدة عندهم هي كتاب جهان آيرن بعنوان: الإسلام الديمقراطي، وكتاب محمد حبش: النبي الديمقراطي، وقد عملوا على نشر هذا الفكر بشكل كبير، وكان أحد أهم نتائجه انتشار الإلحاد بين القرى الكردية، وإغلاق الكثير من المساجد، ونزع الكثير من البنات لحجابهن، بحجة أنه أدب، ولا تأثم تاركته.

وقد وقفنا على الكثير من هذه الحالات والمساجد المغلقة، التي تم تحويلها إلى مستودعات أو حظائر للحيوانات، وهذه القرى غالب أهلها في الأصل صوفية نقشبندية أو خزنوية، ويشرف على هذه المؤسسة اليوم محمد الغرزي، ودلال خليل، إحدى قياديات حزب العمال الكردستاني، وكذلك مازن محمد، وهو حاصل على ماجستير في أصول الفقه، لكنه يتبنى العلمانية، وعبد الرحمن بدرخان، وهو أحد أهم مشايخ الخزنوية في الحسكة.

وثمة بيوت وتيارات دينية أخرى إلا أنها أقل تأثيرًا من سابقتها ومنها: بيت الغرزي الهليلية، وشيخهم عبد الله بن ملا رشيد الهليلية، وإليه تنسب محلة الهلالية في القامشلي، وهم تتلمذوا على الخزنوية في أول أمرهم، ثم انفصلوا عنهم.

ومنهم بيت لطيّف الهلّوش (عبد اللطيف الشيخ هلوش)، وهو شخص درويش ينتسب للرفاعية، وحوله أتباع، ينشرون وينسبون إليه كرامات مكذوبة، حتى يحافظوا على مكانته الاجتماعية، وله أتباع يطلبون منه المدد، والشفاء، والعلاج، والحقيقة أنه ليس لديه علم شرعي، وإنما هو من الصوفية الخرافية إن صح التعبير، إلا أن أثره الكبير في وسطه الاجتماعي وانتسابه إلى التصوف هو ما جعلنا نذكره هنا.

انتشار التشيع في الحسكة ودور الطرق الصوفية في انتشاره

ذكرنا أن الطريقة العبيدية القادرية في عامودا كانت -إلى عهد قريب- تضع صورة الخميني في زاويتها، ولذلك كانت هذه الطرق الصوفية تشكل المادة الخام لانتشار التشيع، الذي بدأ بتشجيع النظام السوري، وبالتنسيق مع إيران ومؤسساتها في سوريا قبل الثورة.

والتشيع على الرغم من انتشاره بشكل كبير بين أتباع الطرق الصوفية إلا أنه تحضرنا بعض الشخصيات المتشيعة التي لم تكن تنتمي بشكل صريح لطريقة معينة، إلا أنها تنتمي لهذا المجتمع الكبير الذي يحكمه التصوف، ومنها في محافظة الحسكة:

1- هشام القطيط، وهو من منطقة رميلان، ومن قرية: تل أعور "عرعر" وهو سني، وأهله منتسبون للسنة، ودرس العربية في حلب، وتشيَّع في لبنان، وتقدم ذكره بينهم، وألف كتبًا عدة في الرد على السنة، أو في الرد على بعض الشخصيات المنتسبة للتصوف كالبوطي مثلاً، وقد حصل هذا الشخص على دعم كبير من قبل حزب الله اللبناني.

2- سعيد الدعاس، وهو سياسي تشيَّع وشيَّع عددًا من أقربائه، وكان مسؤولاً عن حزب البعث في منطقة القحطانية، وقد تلقوا دعمًا كبيرًا من قبل إيران وميليشياتها.

ومن الملفت للنظر أن الطريقة الخزنوية لعبت دورًا كبيرًا في ريف القامشلي في انتساب أتباعها لحزب الله وميليشياته، حيث سيطروا على المشهد العسكري في ريف القامشلي خلال الثورة، وعملوا على نشر التشيع بين أبناء القرى العربية في تلك المنطقة، وعلى الرغم من أن أثرهم كان ضعيفًا بسبب مقاومة المنهج السني لهم بعد انتشار الفصائل الإسلامية خلال الثورة، إلا أن غالبية الناس في تلك المنطقة ينتمون إلى الطريقة الخزنوية من حيث المنهج بسبب قربها المكاني من تل معروف التي كانت المركز الرئيس للخزنوية.

وعطفًا على تساهل الخزنوية وترتيبها مع النظام لنشر التشيع؛ فإن مدينة كبيرة كالحسكة يسيطر الخزنوية على مساجدها وعلى توجهها الديني، باتت مكانًا عمليًا للتشيع، فأقيمت حسينيات عدة فيها، منها: حسينية آل البيت في حي النشوة، التي عملت على نشر التشيع في الحي العربي السني، وبالفعل تمكنوا من تشييع عدد من العوائل، وقد تم إغلاق هذه الحسينية خلال سني الثورة السورية، وما زالت مغلقة حتى الآن، كما نشط التشيع في المركز الثقافي في الحسكة عن طريق إقامة مكتبات خاصة للكتب الشيعية فيه([1]).

وقد كانت حركة التشيع في الحسكة، التي بدأت في عام 1982 على يد جمعية المرتضى التي أسسها جميل الأسد، تعتمد بشكل كبير على شريحتين في ترويج التشيع على القاعدة الشعبية العربية والكردية، وهما: شيوخ العشائر، وشيوخ الطرق الصوفية، وشيوخ الصوفية هم المسؤولون عن الحراك الديني في الحسكة، فمناصب الإفتاء ومديرية الأوقاف والإشراف على المدارس الشرعية كانت بيدهم، ولذلك تم الاعتماد، وبضغط من النظام؛ للسماح للمؤسسات الشيعية للعمل في المحافظة، وكان يشرف في فترة من الفترات على هذه الحركة عبد الصاحب الموسوي، وهو من عرب الأحواز([2]).

ومن الجدير بالذكر أن مؤسسة الإسلام الديمقراطي التي أسسها حزب العمال الكردستاني أحدثت رابطة باسم: رابطة آل البيت عليهم السلام، في 18/4/2019م([3])، وأكثر القائمين على هذه الرابطة من المتصوفة الخزنوية، الذين يسعون إلى تذويب المجتمع العربي والكردي في الحسكة في بوتقة وحدة الخطاب للأمة، والهدف منه خلق حالة من القبول للخطاب الشيعي في الوسط السني العربي والكردي، وقد عايشنا الكثير من خطاباتهم ومؤتمراتهم، فهم يدعون إلى أخوة المذاهب الإسلامية تحت مظلة العلمانية، ويتبعون للمؤسسة السياسية الخاصة بحزب العمال الكردستاني.



مصادر ومراجع المادة

  • خريطة التشيع في المدن السورية، حسام السعد، طلال مصطفى، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، ص 38.
  • انظر مقال: حركة التشيع في سوريا، مركز الشرق العربي، 22/5/2008.
  • انظر: رابطة آل البيت في إقليم شمال وشرق سوريا، الأهداف والخطط والمنجزات، محمد محمود، صحيفة روناهي، 23/5/ 2024.
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب مقالات

منزلة الإخلاص
مقالات

منزلة الإخلاص

مقدِّمةكان رسول الله ﷺ أشدَّ الرُّسل حرصًا على أمَّته وخوفًا عليها في أمور الدِّينِ والدُّنيا، وكان أشدَّ ما يخافُ عليهم الفتن وما هو أشدُّ منها؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "خرج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحنُ…

د. عماد يونس8 دقائقالعدد 11
التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام
مقالات

التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام

المقدمةشهد القرن العشرون وما بعده اتساع حضور التصوف الإسلامي في بيئات غربية، وظهور طرق ومؤسسات وشخصيات كان لها أثر بالغ في تعرّف الغربيين إلى الإسلام. وقد نبّهت د. عبير علي الموزان في دراستها المحكّمة «التصوف…

عادل خزرون التطواني8 دقائقالعدد 11
الشاب الأمرد.. من قال ماذا؟
مقالات

الشاب الأمرد.. من قال ماذا؟

من أكثر العبارات التي تتردد في بعض السجالات العقدية المعاصرة أن ابن تيمية أو أهل الحديث يقولون إن الله سبحانه وتعالى «شاب أمرد». وتُستخدم العبارة أحيانًا على سبيل التعيير المذهبي، وكأنها تلخص موقف السلفيين من صفات الله…

علاء إسماعيل8 دقائقالعدد 11

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل