مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
إحصائيات وتحليلات

الطريقة العلاوية في الجزائر.. قراءة في النشأة والمواقف والمعتقدات

أسامة الهتيمي 8 دقائق قراءةجماد أول 1448 هـ — أكتوبر 2026 م 0
الطريقة العلاوية في الجزائر.. قراءة في النشأة والمواقف والمعتقدات

على الرغم من أن الطريقة العلاوية في الجزائر تعد أحدث الطرق الصوفية في البلاد، إذ تأسست عام 1914م على يد الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي إلا أنها استطاعت أن تحتل مكانة بارزة في المشهد الصوفي الجزائري، وأن تمارس تأثيرًا تجاوز حدود أتباعها إلى المجالين الديني والثقافي حتى غدت إحدى أكثر الطرق حضورًا في الدراسات والكتابات التي تناولت التصوف الجزائري المعاصر، وهو ما انطبق أيضًا على مؤسسها الشيخ العلاوي([1]).

ومع أن الجزائر من أكثر البلدان المغربية تنوعا في الطرق الصوفية حيث تنتشر فيها أكثر من عشرين طريقة([2]) ذات أصول ومشارب مختلفة فإن العلاوية استطاعت أن تفرض لنفسها مكانة متميزة داخل هذا الفضاء الذي يتسم بالتنافس التاريخي على الزوايا والأتباع والنفوذ الديني، وهو ما يجعل تجربتها جديرة بالدراسة بوصفها نموذجًا للتفاعل بين التصوف والواقع الاجتماعي الجزائري.

وإلى جانب هذا الحضور كانت العلاوية ولا تزال من أكثر الطرق بالجزائر إثارة للنقاش والجدل([3]) فقد انقسمت المواقف حولها منذ السنوات الأولى لنشأتها وحتى الآن، ففيما يراها البعض تجربة صوفية إصلاحية([4]) وجّه إليها الكثيرون انتقادات عقدية ومنهجية وسلوكية، بل وتعبدية أيضًا، إذ بقيت وبرغم محاولتها تقديم نفسها بوصفها ذات خصوصية وتميز فإنها ظلت امتدادا للطرقية التقليدية بما بها من إشكاليات كالغلو في الأولياء والتوسع في مفاهيم الولاية والكرامة وبعض الممارسات الطقوسية والسلوكية وغير ذلك.

النشأة والانتشار

تعود الطريقة العلاوية في أصولها إلى السلسلة الصوفية الشاذلية، فهي ليست طريقة مستقلة من حيث السند الصوفي وإنما تمثل أحدث فروع الطريقة الدرقاوية المغربية التي انبثقت بدورها عن الشاذلية، بينما تنتهي الشاذلية في أسانيدها إلى الطريقة القادرية ومن ثم فإن نسبها الصوفي يتسلسل على النحو الآتي: القادرية ← الشاذلية ← الدرقاوية ← العلاوية([5]).

وقد تلقى مؤسسها العلاوي الطريقة عن شيخه محمد بن الحبيب البوزيدي (ت 1909م) أحد كبار مشايخ الدرقاوية، ولازمه سنوات طويلة حتى أوصى إليه بمشيخة زاوية مستغانم ليتولى العلاوي قيادة الزاوية بعد وفاة البوزيدي، غير أنه كان طموحا جدا، فجدّد الطريقة وأدخل على نظامها وطقوسها ودعايتها تغييرا شاملا مما جعلها تنتسب إليه بدلا من نسبتها إلى "الدرقاوي" أو "الشاذلي"([6]).

وتولى مشيخة العلاوية بعد مؤسسها ثلاثة مشايخ هم: الحاج علي العلاوي ثم الشيخ عدة بن تونس ثم شيخها الحالي خالد بن تونس المولود عام 1949م، بمدينة ﻣﺴﺘﻐﺎﻧﻢ، وهو الحفيد الأكبر للشيخ المؤسس، وقد تلقى تعليمه داخل الزاوية العلاوية ثم درس في أوروبا القانون والتاريخ قبل أن يعود ليتولى مسؤولية الطريقة بعد وفاة والده سنة 1975م([7]). [انظر مقالا مفصلا عن شيخ الطريقة خالد بن تونس في باب شخصيات، مجلة مدارك عدد 11].

وقد شهدت الطريقة انتشارا لافتا منذ السنوات الأولى لتأسيسها في مختلف أنحاء الجزائر فيما لم تمر سنوات قليلة حتى تجاوز هذا الانتشار الحدود الجزائرية إلى المغرب وتونس، ثم امتدت إلى بلدان إفريقية مثل السنغال ومالي وموريتانيا، كما وصلت إلى بعض دول المشرق العربي فضلا عن دول في أوروبا وأمريكا([8]).

ولفت هذا الانتشار اهتمام الباحثين منذ بداية القرن العشرين حيث أثار تساؤلات حول أسبابه، فأرجعه بعضهم إلى جملة من العوامل في مقدمتها الطبيعة الشخصية لمؤسس الطريقة، وما عرف عنه من نشاط واسع واهتمام بالتأليف، وإصدار الصحف، والاعتماد على شبكة واسعة من الزوايا والخلفاء والمقدمين الذين تم إرسالهم إلى مختلف الأقاليم، فضلا عن العلاقات التي أقامها مع علماء ومثقفين من خارج الجزائر([9]).

العلاوية والسياسة

تمثل الظروف التاريخية لنشأة العلاوية أحد معايير تقييم مواقفها السياسية، فهي لم تنشأ في مرحلة عادية وإنما ظهرت في ظل الاحتلال الفرنسي الذي كان قد أحكم سيطرته وأعاد تشكيل الحياة الدينية بما يخدم استقرار مشروعه الاستعماري ومن ثم فإن علاقة العلاوية بالسياسة لا يمكن فصلها عن السياسة الدينية للاحتلال الفرنسي التي قامت على التفريق بين الطرق ذات النزعة الجهادية والطرق المنصرفة لما اعتبرته تربية روحية([10]).

وقد انتهج الاحتلال سياسة براجماتية، فأبقى على المؤسسات الدينية التي لا تمثل خطرا سياسيا، ومنحها مساحة لممارسة نشاطها باعتبارها عاملا لتهدئة المجتمع وإبعاده عن السياسة، وهو ما أشار إليه بعض الباحثين فبينوا أن الاحتلال لم يكن يتعامل مع جميع الزوايا بمنطق واحد وإنما بحسب موقفها منه.  

وبرزت العلاوية في هذا السياق فانصرف خطابها منذ البداية بعيدا عن مقاومة الاحتلال أو المشاركة في الحركة الوطنية، فلم يعرف عن العلاوي المساهمة بأي حركة مقاومة أو الدعوة للجهاد ضد الاحتلال كما لم تتعرض طريقته للحظر أو التفكيك الذي تعرضت له بعض المؤسسات المرتبطة بمقاومة الاحتلال فيما لم يتعرض شيخها للاعتقال([11]) أو النفي أو الإعدام كما حدث مع كثير من قادة المقاومة.

يمكننا إذًا وصف العلاقة بين العلاوية والاحتلال بأنها علاقة تعايش موضوعي أكثر من كونها علاقة مواجهة حيث أفادت سلطات الاحتلال الفرنسي من حياد الطريقة العلاوية وفصلها بين السياسة والدين فعدّتها نموذجا لـ "الإسلام الهادئ" الذي لا يمثل تهديدا للمشروع الاستعماري.

أما بعد الاستقلال عام 1962م فإن الطريقة، وكما ابتعدت خلال الحقبة الاستعمارية عن السياسة، فإن نهجها لم يتغير بصورة جوهرية إذ اتسمت علاقتها مع الدولة بالتكيف وتجنب الانخراط في الصراعات الحزبية أو منافسة السلطة.

وشهدت العلاوية ومنذ وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للحكم عام 1999م حضورا في المشهد الديني الرسمي فقد تبنت الدولة سياسة تقوم على دعم الزوايا والطرق الصوفية([12]) لتصبح العلاوية وبقية الطرق شريكا غير مباشر في ترسيخ مفهوم الدولة الجزائرية حول الإسلام وهو ما أكده بعض الباحثين.

ورغم أن الطريقة العلاوية في الجزائر لا تمارس العمل السياسي في الوقت الحالي كحزبٍ أو تنظيمٍ مؤسسيٍ مباشرٍ، بل تنشط كمؤسسة دينية وثقافية واجتماعية، إلا أن هذه الزوايا تشكل امتدادًا للسياسات الرسمية التي تدعم "التصوف المؤسسي" لموازنة التيارات الأخرى والتأثير الناعم، الأمر الذي دفع أحد الباحثين الجزائريين للقول بأن الزاوية العلاوية لم تعد مؤسسة تقليدية تساهم في الحقل الديني فقط، وإنما تعدّت إلى الوظيفة السياسية، وقد نعتبرها في الوقت الراهن إحدى مؤسسات المجتمع المدني، فهي تشكل إحدى رهانات الدولة، فالزاوية في الجزائر ظاهرها ديني وباطنها ذو بعد سياسي([13]).  

محاولة اغتيال ابن باديس

من المعلوم أن اسم الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889–1940م) مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ارتبط بمشروع إصلاحي يقوم على إعادة بناء التدين على أساس القرآن والسنة ومحاربة البدع والطرقية([14])، وهو ما نال بطبيعة الحال من الطريقة العلاوية بوصفها من الطرق الأكثر انتشارا ونفوذا في تلك المرحلة.

ولم يتحرج الإمام ابن باديس من أن يشن الحملات النقدية على الخرافات والأباطيل، وعلى المبتدعة والمضللين بشكل عام والعلاوية بشكل خاص، في دروس التفسير والخطب، وفي مقالات الصحافة الإصلاحية بالأخص في مجلة الشهاب التي أيده فيها الكثير من العلماء والمفكرين، حيث كان ابن باديس يكتب باسم مستعار هو "بيضاوي" ونقد بعض أشعار العلاوي ومعتقداته وطريقته([15]).

وربما كانت شدة النقد الذي وجهه ابن باديس للطرقية والعلاوية السبب الرئيس في أن يتعرض للإيذاء من قبل العلاوية حتى أن الكثيرين ممن أحاطوا بابن باديس أو ساروا على نهجه الإصلاحي اعتبروا العلاوية المسؤول الأول عن محاولة اغتياله، فتذكر مصادر جمعية العلماء، وعلى رأسها البشير الإبراهيمي، أن محاولة اغتيال ابن باديس كانت تقف وراءها عناصر من أتباع الطريقة العلاوية بعد أن قام شخص بمهاجمته بعصا ليلة 14 ديسمبر 1926م، عند خروجه من الجامع الأخضر في قسنطينة، فأصابه في رأسه لكنه تمكن من الإمساك به ثم طلب من الناس ألا يعتدوا عليه وأن يسلموه للسلطات([16]).

وإذا صحت الروايات التي حمّلت بعض المنتسبين إلى الطريقة العلاوية مسؤولية هذه المحاولة فإنها تكشف عن مفارقة لافتة إذ كيف يمكن لتيار يرفع شعارات التزكية والسمو الروحي وإصلاح النفس أن يلجأ بعض أتباعه إلى العنف في مواجهة مخالفيه المسلمين، فيما يسكت عن الاحتلال الفرنسي النصراني؟ وهو ما يعكس إلى أي مدى يرفض هؤلاء مجرد إبداء النقد أو الملاحظات إذ يكون الرد بالإيذاء الجسدي، ما يكشف عن حجم التعصب الذي أحاط بهم من جهة وخلل الرؤية والأولويات من جهة أخرى.

طقوس ومعتقدات

سبق أن أشرنا إلى أن العلاوية لم تخرج في أصولها السلوكية عن الإطار العام للتصوف الطرقي، لكن كان لها أسلوب خاص في طقوسها "للحضرة" حيث ينتظم الأتباع في حلقات على هيئة دوائر مغلقة وهم واقفون ومتزاحمون بعضهم مع بعض وأعينهم مغمضة واليد اليمنى في اليد اليسرى للمجانب والأصابع متشابكة وفي وسطها قطب يرسم الإيقاع ويصفق ويدور على نفسه وهو يراقب كل واحد([17]).

كما أولت الطريقة اهتماما كبيرا بمكانة الشيخ المربي وعدّت صحبته شرطا أساسيا للسير في طريق التزكية، وهو ما يظهر بوضوح في مؤلفات الشيخ أحمد العلاوي، ولا سيما كتابه "المنح القدوسية"، حيث يؤكد أن المريد لا يصل إلى كمال المعرفة إلا على يد شيخ كامل، وهو ما يعد مبالغة في تعظيم الشيخ ويمنحه منزلة تتجاوز حدود الإرشاد والتربية.

ومن المعتقدات التي ارتبطت كذلك بالعلاوية ولا تستند إلى دليل شرعي مفهوم الحقيقة المحمدية وهو الاعتقاد بأن للنبي صلى الله عليه وسلم حقيقة نورانية سابقة على خلق العالم، وأنه أصل الوجود ومصدر الفيض الإلهي على الخلق، وهو المفهوم الفلسفي الذي تبناه العلاوي في عدد من كتاباته وأشعاره([18]).

كما اشتهرت الطريقة بإحياء التوسل بالأولياء والصالحين وتعظيم الأولياء وزيارة أضرحتهم والتماس البركة منهم مع الاعتقاد بكراماتهم واستمرار أثرهم الروحي بعد الوفاة، بل تضمنت بعضُ الأدعية والأوراد عبارات الاستغاثة بالأولياء وطلب المدد منهم([19]) بما يعد تجاوزا لإفراد الله بالدعاء والاستعانة.

ومن الملاحظات التي تم أخذها على الطريقة ما وصفه البعض بالانفتاح المبالغ فيه خصوصا فيما تعلق بالاختلاط بين النساء والرجال في أماكن العبادة وزيارة الأضرحة خلال الاحتفالات الكبيرة للطريقة([20]).

وفي الجانب الفكري نسب إلى الشيخ العلاوي تأثره ببعض أفكار ابن عربي ومدرسة وحدة الوجود ولا سيما فيما يتعلق بمفاهيم الفناء والبقاء وشهود الوحدة، وهو ما دفع عددا من الدارسين إلى اعتبار كثير من عباراته قريبة من التصورات التي اشتهرت بها المدرسة الأكبرية بشأن الحلول والاتحاد([21]) وإن حاول بعض أتباعه تأويلها وحملها على المعاني الذوقية لا العقدية غير أن هذه التأويلات لم تمنع من استمرار الجدل حولها ولا سيما أن كثيرا من نصوصه جاءت محتملة لمعان تخالف ما استقر عليه اعتقاد أهل السنة والجماعة في باب توحيد الأسماء والصفات والتمييز بين الخالق والمخلوق.

إن الطريقة العلاوية –كغيرها- امتلأت بجملة من الممارسات والمفاهيم المخالفة والمفتقرة إلى الدليل الصحيح من الكتاب والسنة، بل إن بعضها يفتح الباب أمام الغلو في الأشخاص والخلط بين حق الله تعالى وحقوق عباده وانتشار بدع ومحدثات ومقولات فلسفية صرفت المسلمين عن حقيقة التوحيد والاتباع وأسهمت في تكريس التقليد والخرافة وإضعاف روح الإصلاح الديني.

نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب إحصائيات وتحليلات

الطريقة القادرية البودشيشية: قراءة شرعية نقدية
إحصائيات وتحليلات

الطريقة القادرية البودشيشية: قراءة شرعية نقدية

مقدمة تمثل الزوايا إحدى المؤسسات الفاعلة في تاريخ المغرب، وتبرز الطريقة القادرية البودشيشية، ومركزها مداغ ببركان، نموذجًا لطريقة صوفية توسع حضورها في العصر الحديث حتى غدا لها امتداد دولي واسع([1]).وتكتسب دراستها أهمية…

عادل خزرون التطواني8 دقائقالعدد 10
هل تسعى إيران لاتخاذ الطرق الصوفية بوابة لنفوذها في مصر؟ (2)
إحصائيات وتحليلات

هل تسعى إيران لاتخاذ الطرق الصوفية بوابة لنفوذها في مصر؟ (2)

في الجزء الأول من هذا المقال خلصنا إلى أن اقتراب إيران من الأوساط الصوفية المصرية لم يكن مجرد تحرك عابر بل يأتي في سياق مشروع أوسع لإيجاد موطئ قدم داخل المجتمع المصري وقد وجدت طهران في بعض المساحات الصوفية المصرية ما…

ثائر المصري7 دقائقالعدد 10
إحصائيات وتحليلات
إحصائيات وتحليلات

إحصائيات وتحليلات

لم يكن ظهور عدد من الشخصيات المنتمية إلى الأوساط الصوفية المصرية، وأبرزهم الدكتور عبد الحليم الحسيني، في فعالية أقامتها السفارة الإيرانية بالقاهرة لتقديم العزاء في مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي والحديث عن التقريب بين…

ثائر المصري8 دقائقالعدد 9

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل