مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
إحصائيات وتحليلات

هل تسعى إيران لاتخاذ الطرق الصوفية بوابة لنفوذها في مصر؟ (2)

ثائر المصري 7 دقائق قراءةربيع ثاني 1448 هـ — سبتمبر 2026 م 13
هل تسعى إيران لاتخاذ الطرق الصوفية بوابة لنفوذها في مصر؟ (2)

في الجزء الأول من هذا المقال خلصنا إلى أن اقتراب إيران من الأوساط الصوفية المصرية لم يكن مجرد تحرك عابر بل يأتي في سياق مشروع أوسع لإيجاد موطئ قدم داخل المجتمع المصري وقد وجدت طهران في بعض المساحات الصوفية المصرية ما يمكن البناء عليه.

ومن ثم فإن المسألة أصبحت سؤالا عن قابلية بعض البيئات الصوفية المصرية للتوظيف في مشروع النفوذ الإيراني، فقد يكون بناء شبكات من العلاقات مع رموز دينية مؤثرة وتطبيع الحضور الإيراني وتقديم النموذج الشيعي باعتباره امتدادا طبيعيا لدعوى محبة آل البيت؟

لكن يبقى السؤال الأهم.. إلى أي مدى استطاعت إيران أن تستثمر هذه المساحات في مصر؟ وهل تحولت بالفعل إلى طريق للنفوذ أم أن الطريق الذي ظنته طهران مفتوحا اصطدم بعقبات حالت دون بلوغ الغاية؟

تباين المواقف

ليس من الموضوعية النظر في علاقة الصوفية في مصر بالتشيع وإيران باعتبارها كتلة واحدة إذ هناك تباينات بين هذه الطرق ومشايخها تجاه هذه العلاقة تبعا للموقف من السياسة أو طبيعة العلاقات الخارجية أو في درجة الانفتاح على التيارات والطوائف الأخرى وهو ما يفسر تقارب بعضهم مع طهران بينما يتخذ آخرون موقفا رافضا لهذا المسار.

فمن هذه المواقف المتباينة مثلا ما جاء على لسان د. عبد الحليم الحسيني الذي يتولى موقع السكرتير العام لشبكات الطرق الصوفية خلال كلمة له في السفارة الإيرانية في مصر للحديث عن المرشد الإيراني السابق على الخامنئي بعد اغتياله .فقد عبر الحسيني عن مدى الحرص على التقارب مع إيران رافضا الحديث عن الخلاف بين السنة والشيعة أو وقوع اضطهاد إيراني للسنة في إيران بل إنه أعرب عن اعتقاده بأن سبب الخلاف في الأمة هو ابتعادها عن أهل البيت في محاولة مكشوفة للتزلف للشيعة ولإيران.

وأضاف: "لقد ذهبنا إلى مشهد والتقينا بالطرق الصوفية في شمال شرق إيران وسألناهم عما تروجه عشرات الفضائيات حول ظلم السنة وحرمانهم من إقامة مساجد خاصة بهم؟ إلا أنهم أخبرونا بأنهم أحناف يؤدون

أعمالهم بكل حرية على منهج أهل السنة وأن لهم مساجدهم كما لهم ممثلين في مجلس النواب".[1]

وما ذهب إليه الحسيني لا يبدو موقفا فرديا معزولا بقدر ما تعكسه مواقف وتصريحات وتحركات صدرت عن عدد من مشايخ الطرق الصوفية في مصر وتدعمها شواهد متعددة تكشف عن قدر هذا التقارب مع إيران والتشيع سواء على مستوى الخطاب أو من خلال المشاركة في فعاليات ومناسبات ذات صلة بالمؤسسات الإيرانية أو عبر تبني خطاب التقريب المزعوم بين السنة والشيعة بصيغ تتجاوز أحيانا مجرد الدعوة إلى الحوار والتعايش إلى الدفاع عن الموقف الإيراني وتبرئته من الانتقادات الموجهة إليه.

لكن في مقابل ذلك نجد نماذج صوفية ترفض هذا المسار وتعترض عليه ومنها مثلا ما أعلنه المجلس الاعلى للطرق الصوفية في مصر في نوفمبر 2011 حول إحالة أحد عشر شيخا للتحقيق بعد سفرهم إلى إيران وكان على رأسهم شيخ الطريقة العزمية علاء الدين ماضي أبو العزائم إذ كشف المجلس عن أن المشايخ التقوا بمرجعيات شيعية وأن بعض التصريحات المنسوبة إليهم تحدثت عن وقوف الشيعة إلى جانب الصوفية في مواجهة التيار السلفي نافيا وجود تقارب صوفي شيعي ومؤكدا في الوقت ذاته تمسكه بالمنهج السني.[2]

وقد حاول الشيعة تثبيت وجودهم في مصر عبر مراسم عاشوراء في مسجد الحسين بالقاهرة من خلال اختراق الصوفية، وقد رفض ذلك قطاع من الصوفية حيث قال الدكتور محمد أبو الفيض، عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية وشيخ الطريقة الفيضية، إنه «لا يوجد علاقة بين الصوفية والشيعة، وليس لنا علاقة بهذه الاحتفالات، ولا نحيي ذكرى عاشوارء»، موضحًا أن «الشيعة يتمسحون فى الصوفية لزيادة عددهم». وقال مصطفى زايد، منسق ائتلاف عام الطرق الصوفية، إن «الصوفية ترفض احتفالات الشيعة وطقوسهم من التبطير واللطم، وغيرها من الطقوس المعتاد عملها في العراق وإيران وقت الاحتفالات».

بيئة الاختراق

لم تتجه الاتصالات الإيرانية إلى الطرق الصوفية على نحو عشوائي أو متساو وإنما برز اهتمام خاص ببعض الطرق والشخصيات التي أبدت انفتاحا أكبر على خطاب التقريب وفتحت أبوابها للحوار والتواصل مع الجانب الإيراني.

وبرزت الطريقة العزمية باعتبارها الحالة الأوضح والأكثر أهمية وهو ما كشف عنه مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية التابع للدولة المصرية في دراسة ذكرت بصراحة أن الممثل الثقافي للسفارة الإيرانية أبدى اهتماما بالتقارب بين الشيعة والصوفية في مصر وأن الطريقة العزمية اضطلعت بدور مهم في هذا التقارب.

وأشارت الدراسة إلى تكرار زيارات شيخ الطريقة إلى إيران وإلى أنه كان يساعد طرقا صوفية أخرى على المشاركة في مؤتمرات ومناسبات داخل إيران مضيفة أن الأهم أن العلاقة لم تكن مجرد مشاركة في مؤتمر عابر بل أخذت شكل شبكة اتصال صوفية – إيرانية إذ تصف الدراسة العزمية بأنها صاحبة علاقة قوية بإيران وأنها قامت بدور في الدعوة إلى التقريب بين السنة والشيعة.[3]

من خلال التعرف على أسماء المشايخ الذين تم إحالتهم للتحقيق من قبل المجلس الأعلى للطرق الصوفية بسبب رحلتهم إلى إيران عام 2011، يمكننا التعرف على الطرق التي ساعدتها الطريقة العزمية على إقامة علاقة بينها وبين إيران، ومن بين هذه الأسماء: "علي الدهبي السيد حمودة الخضري "السعدية"، وشريف محمد عبد السلام طه مشينة "السلامية الشاذلية"، وعيسى عبد الرحيم محمد الجوهري "الجوهرية الشاذلية"، وهاني محمد عبد السلام سالمان "الإمبابية الأحمدية"، ومحمد عبد المجيد يوسف الشرنوبي "الشرنوبية البرهامية"، ومصطفى محمد الطاهر الصافي "الهاشمية الشاذلية"، ونضال محمد علي المغازي "المغازية الخلوتية"، وعبد الباقي الحبيبي "الحبيبية"، وفكري السيد علي فكري منصور كريم "العروسية الشاذلية"، ومحمد بهجت نور الخضيري "الخضيرية"".

والأخطر أن زيارة هذا الوفد حظيت باهتمام إيراني واسع حيث استقبلهم مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي الذي لم يتعامل مع زيارة الوفد باعتبارها زيارة دينية عابرة بل تحدث عن الدور الذي تريد إيران أن تلعبه الطرق الصوفية فبحسب "بوابة الأهرام" قال ولايتي: إن إيران ترى الصوفية من أكثر التيارات اعتدالا وإنها ستدعم الصوفية وإن التصوف سيكون ضمن أولويات "مجلس الصحوة الإسلامية" بل وأعلن أن علاء أبو العزائم سيكون ممثل الطرق الصوفية في المجلس.[4]

ويضيف الخبر أن إيران كانت تعتزم إصدار كتب لعلماء شيعة من خلال الطريقة العزمية للتعريف بالمذهب الشيعي كما تحدث ولايتي عن «دعم الصوفية».

ومن القرائن أيضا على مدى الصلة بين العزمية وإيران أنه في يوليو 2014 حضر وفد دبلوماسي إيراني الإفطار السنوي للطرق الصوفية الذي أقيم في مقر الطريقة بحي السيدة زينب بالقاهرة برئاسة توفيق الصمدي المستشار السياسي لمكتب رعاية المصالح الإيرانية بالقاهرة فيما كان من الحضور حاتم عنان شيخ الطريقة العنانية.[5]

ولا يقتصر الإختراق على الطريقة العزمية، إذ أعلن ائتلاف الطرق الصوفية، عن الكشف عن طريقة صوفية جديدة غير مسجلة في المشيخة العامة للطرق الصوفية تدعى "الطريقة الحسينية الأمدية تروّج للمذهب الشيعي في صعيد مصر عبر "داعية" بأحد المساجد الكبرى بمركز صدفة في مدينة أسيوط جنوبي البلاد تحت غطاء التصوف، مستغلاً جهل الناس ومحبة أهل الصعيد لآل بيت رسول الله".[6]

تحصين الساحة

محاولات الاختراق الإيراني للمتصوفة في مصر لا تزال قائمة حتى اللحظة، ومشاركة د. عبد الحليم الحسيني في عزاء خامنئي قبل شهر مثال ساطع لذلك، ولذلك فإن بقاء هذا الوضع على حاله لا ينبغي أن يترك للمصادفة فمواجهة محاولات النفاذ إلى البيئة السنية تحتاج إلى وعي مؤسسي يقطع الطريق على أسباب الاختراق قبل أن تتحول إلى ظاهرة يصعب احتواؤها.

وتتوزع المسئولية ها هنا على المؤسسات الدينية كـ"الأزهر" فضلا عن الدولة المصرية اللذان وجب أن يعيا أهمية أن لا تتحول دعاوى الحوار والتقريب إلى غطاء لنشاط طائفي أو سياسي إيراني يستهدف إعادة تشكيل البيئة الدينية المصرية.

وتتجسد مسئولية الأزهر باعتباره جامعة دينية سنية في الحضور بصورة أكثر وضوحا في هذا الملف الشائك لا بالخطاب التحذيري وحده وإنما بإنتاج معرفة علمية دقيقة بالفرق الشيعية لكشف حقيقة أفكارها بالاستناد إلى كتبها وشرح نقاط الاختلاف وتفكيك مواطن الالتباس التي يمكن أن يستغلها الخطاب الشيعي الوافد.

أما الدولة المصرية فمسؤوليتها مختلفة إذ المحاولات الإيرانية للاختراق تمثل تهديدا لأمن المجتمع الذي ينبغي أن لا تتهاون فيه لذا فإن المطلوب هو مراقبة مصادر التمويل والاتصالات الخاصة بكل من نجحت إيران في استقطابهم طائفيا أو حتى سياسيا لتحول بينهم وبين تنفيذ مخططاتهم.

ويأتي ضمن مسئولية الدولة أيضا تفعيل دور المجلس الأعلى للطرق الصوفية الذي يشرف على هذه الطرق فيقوم بدوره الرقابي لمتابعة أنشطة الطرق ومشايخها وضبط العلاقات الخارجية لها ومن ثم منع تحول أي طريقة إلى قناة مستقلة لنفوذ شيعي أو سياسي أجنبي.

ومع أهمية دوري كل من الأزهر والدولة إلا أن المسئولية الأهم ملقاة بالأساس على عاتق الدعاة والإعلاميين كونهم في حالة تواصل دائم مع الجماهير ولهم التأثير الأكبر عليهم وهو ما يلزمهم بالعمل بشكل منظم ومكثف لتوعية الجماهير بخطورة ما يحاك لهم من ناحية وبالرد على الشبهات والأكاذيب التي يحاول الشيعة وأتباع إيران الترويج لها من ناحية أخرى.

مصادر ومراجع المادة

نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب إحصائيات وتحليلات

الطريقة العلاوية في الجزائر.. قراءة في النشأة والمواقف والمعتقدات
إحصائيات وتحليلات

الطريقة العلاوية في الجزائر.. قراءة في النشأة والمواقف والمعتقدات

على الرغم من أن الطريقة العلاوية في الجزائر تعد أحدث الطرق الصوفية في البلاد، إذ تأسست عام 1914م على يد الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي إلا أنها استطاعت أن تحتل مكانة بارزة في المشهد الصوفي الجزائري، وأن تمارس تأثيرًا تجاوز…

أسامة الهتيمي8 دقائقالعدد 11
الطريقة القادرية البودشيشية: قراءة شرعية نقدية
إحصائيات وتحليلات

الطريقة القادرية البودشيشية: قراءة شرعية نقدية

مقدمة تمثل الزوايا إحدى المؤسسات الفاعلة في تاريخ المغرب، وتبرز الطريقة القادرية البودشيشية، ومركزها مداغ ببركان، نموذجًا لطريقة صوفية توسع حضورها في العصر الحديث حتى غدا لها امتداد دولي واسع([1]).وتكتسب دراستها أهمية…

عادل خزرون التطواني8 دقائقالعدد 10
إحصائيات وتحليلات
إحصائيات وتحليلات

إحصائيات وتحليلات

لم يكن ظهور عدد من الشخصيات المنتمية إلى الأوساط الصوفية المصرية، وأبرزهم الدكتور عبد الحليم الحسيني، في فعالية أقامتها السفارة الإيرانية بالقاهرة لتقديم العزاء في مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي والحديث عن التقريب بين…

ثائر المصري8 دقائقالعدد 9

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل