أصل المقال
نشرت "مؤسسة ابن العربي للدراسات والنشر والتوزيع" رسالة لابن عربي الحاتمي المتصوف في المولد النبوي بعنوان "منقبة مولد النبي"، وهي رسالة تحدث فيها ابن العربي الحاتمي عن شيء من سيرة النبي ﷺ، ولست أقصد السيرة المعتادة فقط، بل إنه جعل بدء سيرته عليه الصلاة والسلام بالحديث عن النور المحمدي المولود من الله في الأزل، فمحمد ﷺ عند المتصوفة نور الله الذي صدر منه، ومنه فاضت سائر الموجودات بالتّعيُّن، ويعتبر ابن عربي أفضل من عرض هذه "السيرة"، وهي جزء من "عقيدة وحدة الوجود" عندهم، وقد شهد علي جمعة - مفتي مصر السابق والمشرف العلمي في المركز - للرسالة وصاحبها في مقدمته عليها فقال: «بلغت علوم التصوف ذروتها وكمالها عند سيدي محيي الدين ابن العربي الذي توفي في القرن السابع الهجري سنة 638هـ، فعنده وضحت معالم الطريق الصوفي»([1])، وهذا يعني أن ما حققه ابن العربي الحاتمي في الرسالة هو عقيدة كل المتصوفة في زماننا!
مولد النور والكلمة في الوثنية الهرمسية
تقوم العقيدة الهرمسية على أن أتوم الإله المجرد فاض عنه الفكر الأول وهو النور الأزلي، فتجلى به في ظلمة مياه الإمكان بـ "الكلمة"، التي هي ابن أتوم([2])، فصار بذلك أبًا للكلمة ولمِا سيفيض عن الكلمة، وكل ما سيفيض عنه فهو فكر أتوم! وتعني "الكلمة" العقل، أو "اللوغوس"، ومنها تفرعت نظرية الفيض والصدور عند الفلاسفة، وطورها أفلوطين السكندري في التاسوعات، وانتقلت إلى فكر الفلاسفة في تاريخ الإسلام على رأسهم الفارابي وابن سينا.
تجسد الكلمة... تجسد النور
يعتقد النصارى (المسيحيون) أن الرب ثلاثة أقانيم أو ثلاثة تجليات أساس، الآب في السماء، وهو الذي ينادونه في صلاتهم المشهورة: أبانا الذي في السماء، والابن المولود من الآب، أي الفائض منه بلا تأخر عنه، كما هي عقيدة الفيض عند الفلاسفة، والروح القدس المنبثق كما هي عبارة عقيدتهم "قانون الإيمان" التي يسميها بعض علماء المسلمين "الأمانة"، وهي مساوية لعبارة "الانبجاس" المستعملة في ترجمة نصوص هرمس، والابن والروح القدس كلاهما خارجان من الآب الينبوع، وابن الله هو المسيح يسوع المولود من الآب لاهوتيا، والرب المتجسد المولود جسده من مريم العذراء، فللابن ولادتان عندهم، الأولى أزلية وهي ولادة اللاهوت، والثانية ولادة زمنية حادثة من مريم العذراء للناسوت الذي اتحد مع اللاهوت.
محمد... ابن الله؟!
من عقائد أئمة التصوف الفلسفي أن النبي محمدًا ﷺ هو التجلي الأول لله تعالى، لنور الله تعالى، بل هو نور من نور الله الموصوف بالنور المحمدي، وأنه الفاتح لباب ظهور الأعيان من ظلمة الإمكان إلى عالم التجلي والظهور والتعين، وقد شرح ابن عربي الحاتمي هذا في رسالته في "المولد النبوي"، ومن عباراته في ذلك فيها: «وهو أصل جميع الكائنات»([3])، و«الفاتح باب أعيان الأكوان من البطون المستجنة»([4])، و«لما أراد الله سبحانه وتعالى إيجاد الخلق بتقديره أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية بتدبيره»([5])، و«أوجد الروح الأحمدي من فيض كمال وجوده إنسانا كبيرا وخلق العوالم منه تفصيلا وتقديرا»([6])، و«الجنس العالي والأب الأكبر لجميع الموجودات وإن تأخرت طينته وظهور صورته العنصرية»([7]).
و«ظهر الحبيب فكان أول من ظهر وبدا على الأكوان نورا وانتشر»([8]).
و«وجلا به عنا ظلام بطوننا وبه ظهرنا بالمعاني والصور»([9]).
وأكد هذا ابن عجيبة المغربي في "البحر المديد" فقال: «أول تجلٍّ من تجليات الحق، فمن نوره انكشفت أسرار الذات، وانفلقت أنوار الصفات، وامتدت من نوره جميع الكائنات»([10])، وابن عجيبة من أكبر المناصرين لعقيدة وحدة الوجود، وتفسيره مشحون بذلك تحت قوله: "إشارة"، وهذا النور المحمدي هو نفسه "الحقيقة المحمدية"، و"الإنسان الكامل"، وقد شرح هذه الحقيقة شيخ الأزهر أحمد الطيب في "المصطلح الكلامي والصوفي" الحقيقة المحمدية بقوله: «اصطلاح ظهر متأخرا في أدبيات التصوف الإسلامي، وهو يعني: أن النبي ﷺ مخلوق من نور وأن حقيقته النورية هي أول الموجودات في الخلق الروحاني، ومن نورها خلقت الدنيا والآخرة، فهي أصل الحياة وسرها الساري في كل الكائنات والموجودات الدنيوية والأخروية»([11])، وهو «نور الأنوار»([12])، وهو نور قديم بقدم الله تعالى، إذ هو صادر عنه فائض مولود منه، وفي هذا قال البوصيري:
محمدٌ رُويت بالنور طينته محمدٌ لم يزل نورًا من القدم
فهو لم يزل قديمًا نورا من الله، بل هو نور الله، وبه كان أول التعينات، بل أصل كل التعينات، ونحا ابن سبعين نحو هذا في رسالته "أنوار النبي" وزاد: «نور السماوات والأرض، رسول الله ﷺ، مظهره ومشكاة مصباحه، ووحيه زيتونة زيتها، ثم هو نفسه نور الله»([13])، بل هو أنوار خمسة: أنوار المقامات، والأنوار الباطنة، ونور الإحاطة، ونور التقدير، ونور التعرض، ولاحظ قوله: «هو نفسه نور الله»!
الكلمتان
يعتقد النصارى أن المسيح ابن الله، ونور العالم كما في نص إنجيل يوحنا (8 : 12)، وهو الموصوف في قانون الإيمان بـ "نور من نور"، وبهذا النور خلق الآب المخلوقات في العالم، وهو الكلمة واللوغوس التي بها كان ذلك الخلق، كما قال يوحنا ذهبي الفم في شرح إنجيل متّى: «لأن الميلاد الجسدي لكلمة الله يقودنا لمعرفة ميلاده الأزلي»([14])، وكذلك وُصف النبي ﷺ عند متصوفة الوحدة، فمحمد عليه الصلاة والسلام عندهم هو حامل معاني الأسماء التي تعلمها آدم عندهم، فهو الذي أوتي جوامع الكلم، أي هو الكلمة الجامعة لكل ذلك([15])، قال ابن عربي: «إن الله تعالى لما أوجد الكلمة المعبر عنها بالروح الكلي...»([16])، أي الروح المحمدي أو النور المحمدي أو عنصر المتعينات في عالم الإمكان.
المولد النبوي... الأزلي... والزمني
يربط ابن العربي الحاتمي بين مولد النور المحمدي الأزلي وبين مولد الجسد، أو "التجسد" فيقول: «ولما أراد الله ظهور نوره في السماوات والأرض نودي بأن النور المكنون الذي يكون منه النبي الهادي في هذه الليلة يستقر في بطن أمه ... وحين أراد الله سبحانه إبراز الجوهرة المكنونة من صدف آمنة المصونة...»([17])، وهذا شبيه بكلام النصارى في تجسد الابن الكلمة واللوغوس والعقل الموصوف بالأزلية في بطن مريم، وهذه الولادة الثانية لمحمد عليه الصلاة والسلام عند المتصوفة، ولعله لأجل هذا يتشدد المتصوفة في "مسألة إيمان أبويّ النبي" ﷺ، ويُرجِعون هذا إلى أنه لا يمكن أن يحل النور المحمدي ليتجسد إلا في موضع طاهر يليق بهذا النور، ولذلك يصفونها ب ـ"مشكاة النور" و"منبع النور"، وفي موقع وزارة الأوقاف المصرية: «مشكاة النور ووعاء الطهر»([18])، هذا هو سر الأمر، بعيدا عن إيهام المخالفين لهم بأن الأمر متعلق بالروايات وحكم أهل الفترة، فالأمر راجع إلى أن اعتقاد "إيمان آمنة" جزء من المنظومة الفكرية للقول بوحدة الوجود.
خاتمة
هذا مقال مختصر جدا في هذه المسألة الفرعية، الكاشفة عن حقيقة "الاحتفال بالمولد النبوي" عند متصوفة الطريقة الأكبرية، ومّن تتبع ما كتبه الأكبريون سيجد شواهد كثيرة على هذا، عند المتقدمين منهم والمتأخرين، وينقص هنا الحديث عن "مقام الإحسان" عندهم، وأنهم يعتقدون أنه "الاتحاد بالنور المحمدي"، وواضح بَعد كل هذا الشبه بين عقيدة المتصوفة والنصارى والهرمسية، فإن لم تكن الهرمسية أصل كل هذا، فإن الأصل في كل ذلك جهة واحدة ... إبليس.




