مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
مقالات

ترك النبي ﷺ للاحتفال بمولده ودلالته

د. محمد صلاح الإتربي 7 دقائق قراءةربيع ثاني 1448 هـ — سبتمبر 2026 م 20
ترك النبي ﷺ للاحتفال بمولده ودلالته

تحتل قضية الاحتفال بالمولد النبوي مكانة خاصة عند الصوفية، لدرجة جعلها الدليل الوحيد على المحبة والاتباع، واتهام من لا يحتفل بالمولد بأنه لا يحب النبي ﷺ، ولا شك أن هذه القضية لها تعلق واضح بما ترك النبي ﷺ فعله، ولذا فما أود أن أتناوله هنا هو حكم الاحتفال بمولده ﷺ، ودلالة ترك النبي ﷺ لهذا الاحتفال على هذا الحكم، وحيث إن الحكم على شيء فرع عن تصوره؛ فإن المراد بالاحتفال بالمولد النبوي هو تخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام بأنواع من الاجتماع على بعض المباحات والطاعات؛ كالاجتماع على الطعام والذكر، وإظهار الفرح والسرور والشكر بقدوم النبي ﷺ إلى الدنيا في مثل هذه الليلة، والتذكير بسيرة النبي ﷺ ومآثره، دون ما يواكبه من المديح المصحوب بالمعازف والمواكب التي يكثر فيها الاختلاط والرقص، وغير ذلك من أنواع المنكرات التي تُفعل عند الأضرحة والقبور، فإن هذه الأمور مما لا يشك عالم في تحريمها كما ذكر الفاكهاني([1]).

والاحتفال باتخاذ هذا اليوم عيدًا: محرمٌ من جهتين:

الأولى: أن اتخاذ يومٍ بعينه عيدًا للمسلمين ولو بفعل المباحات فيه فقط دون تخصيصه ببعض أنواع الطاعات أمرٌ محرمٌ؛ وذلك لما رواه أَنَس قال: قَدِم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله قد أَبْدَلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفِطر»([2])، فهذا دليل على أن النبي ﷺ مَنَع من ذلك رغم أنهما لم يكونا للعبادة، وأن اتخاذ يومٍ بعينه عيدًا من شعائر الإسلام الظاهرة التي تحتاج إلى توقيف([3]).

الثانية: أن تخصيص يوم بأنواع من العبادات تقربًا إلى الله تعالى هو من البدع المحرمة، فإذا كان هذا الاحتفال بالمولد يعدونه طاعة، فهو إذًا من جنس القربات، ويكون فعل طاعة وقربة محضة لم يفعلها النبي ﷺ ولا الصحابة ولا التابعون ولا أحد من القرون الثلاثة المفضلة، وذلك مع قيام الدواعي إلى فعله، وهي محبة النبي ﷺ، وانتفاء الموانع التي تمنع من القيام به، وهذا فيه نسبة التفريط في تعظيم النبي ﷺ إلى الصحابة والتابعين، وأنهم تركوا إعطاءه مكانته اللائقة به، وكذلك فيه نسبة الأمة كلها إلى الغفلة عن هذا المعنى على مدار أربعة قرون على الأقل، ومثل هذا ممتنع في دين الله تعالى، لأن أمة النبي ﷺ لا تجتمع على ضلالة، كما هو معلوم في موضعه من كتب أصول الفقه([4])، ولذا فكل فعل يتقرب به إلى الله تعالى تقربًا محضًا ولم يفعله النبي ﷺ ولا صحابته، مع قيام الدواعي إلى فعله وانتفاء الموانع: فهو فعل محرم وبدعة ضلالة لا تجوز([5]).

وتقرير هذا الاستدلال الثاني يقتضي أن أبيّن هل احتفل النبي ﷺ بمولده أم لا، وهل فعله الصحابة والتابعون أم لا، ومتى بدأ الاحتفال به، وبماذا أفتى العلماء حينئذ، وبم استدلوا، وهل عدم فعل النبي ﷺ له يقتضي المنع أم لا؟ هذا كله ما أود أن أجيب عنه وذلك فيما يلي:

أولًا: لا يخفى أن النبي ﷺ لما سئل عن صيام يوم الاثنين قال: "ذاك يوم ولدت فيه"([6])، وهذا يدلنا على أن النبي ﷺ قد صام يوم الاثنين من كل أسبوع، وشرع لنا صيامه؛ شكرًا لله على ما منّ الله به علينا من قدومه إلى الدنيا، فهو إذن قد لاحظ خصوصية يوم مولده ﷺ، ولم يشرع له من الأعمال إلا ما ذكره من صيام يوم الإثنين كل اسبوع.

ثانيًا: توفي النبي ﷺ ولم يحتفل بمولده ﷺ، وكذلك انقضى عصر الصحابة والتابعين ولم يحتفل أحد منهم بمولد النبي ﷺ، وهذا أمر محل إجماع بين القائلين بإباحته وبدعيته([7]).

ثالثًا: بدأ ظهور الاحتفال بالمولد في القرن السادس الهجري، فذكر المقريزي أن الفاطميين كانت لهم في السنة أعياد ومواسم ومنها المولد النبوي([8])، وذكر كذلك أن الاحتفال بالمولد صار رسمًا متبعًا في عام 517هـ([9]).

وذكر أبو شامة أن أحسن ما ابتدع في زمانه ما كان يُفعَل بمدينة إِرْبِل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي ﷺ من الصدقات والمعروف وإظهار الزِّينة والسرور([10])، وذكر ابن خلكان في ترجمة ابن دحية أنه اجتاز بإربل سنة ستمائة وأربع فوجد ملكَها يعتني بالمولد([11])، وذكر ابن كثير أنه كان يحتفل به احتفالاً هائلًا([12]).

ثالثًا: اختلف العلماء في حكم عمل المولد بعد اتفاقهم على كونه لم يفعل في عهد النبي ﷺ ولا القرون المفضلة، فذهب بعضهم إلى تحريمه كابن تَيْمِيَّة([13])، والفَاكِهَاني([14])، والشَّاطِبي([15])، والمُلَّا عليّ القاري([16])، وغيرهم.

وذهب بعضهم إلى إباحته كأبي شامة([17])، والسَّخَاوي([18])، وابن حَجَر([19])، والسُّيُوطي([20])، وهؤلاء طلبوا أصلًا يندرج الاحتفال بالمولد تحته، وأبرز ما استدلوا به هو ما يلي:

1- استدل السخاوي -ونقله عن ابن الجزري- بالقياس على اتخاذ النصارى يوم ميلاد نبيهم عيدًا([21]).

والجواب عنه أن هذا يقوى أن يكون دليلًا على التحريم لا على الإباحة، فإن التشبه بالكفار منهي عنه([22]).

2- استدل ابن حجر -فيما نقله عنه السيوطي- بالقياس على صيام عاشوراء شكرا لله على نجاة موسى من فرعون وقومه([23]).

والجواب عن ذلك أن مثل هذا القياس إنما يصح إذا كانت مناسبة المولد لم تحدث في عهد النبي ﷺ، فإن القياس دليل شرعي لمعرفة حكم المسائل التي لم ينص الشرع عليها، فلا يصح قياس مسألةٍ نصَّ الشرع على حكمها على مسألةٍ أخرى نصَّ الشرع على حكمها بدليلٍ آخر.

ولتوضيح ذلك أقول: هل يصح أن يقاس العيد على الجمعة فيؤذن له؟ الجواب لا، لأن صلاة العيد كانت تقام على عهد النبي ﷺ ولم يؤذن لها، فلا يصح قياسها على الجمعة التي يؤذن لها، لأن أذان النبي ﷺ للجمعة وعدم أذانه للعيد دليل على التفريق بينهما، وأنهما ليسا سواء، ومثل هذا يسميه العلماء: السنة التركية، ومنه ترك تغسيل الشهيد، وترك صلاة الفرض على الراحلة([24]).

فكذلك صيام النبي ﷺ يوم نجاة موسى عليه السلام من فرعون، وعدم صيامه يوم نجاته من قريش بالهجرة، ولا يوم مولده السنوي، ولا يوم انتصاره على قريش في غزوة بدر؛ يدل على أنه لا يقاس على صيام يوم عاشوراء شيء، وأن المشروع في هذه المناسبات كلها هو عدم تشريع عبادة خاصة بها أو الاحتفال بها والتعبد بها، متابعة لما فعله النبي ﷺ وصحابته من بعده.

3- استدل السيوطي بأن النبي ﷺ عَقَّ عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جَدَّه عبد المُطَّلِب عق عنه في سابع ولادته، والعَقِيقة لا تُعاد مرة ثانية، فيُحمل ذلك على أن الذي فعله النبي ﷺ هو إظهارٌ للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريعٌ لأُمته، فيُستحَبّ لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القُرُبات وإظهار المَسَرَّات([25]).

والجواب عنه هو أن الأصل الذي بناه عليه يحتاج إلى إثبات، فلا يصح حديث في أن جده عقّ عنه، ولو صح فيحتاج إلى الاستدلال على صحة الاحتجاج بعقيقة الكفار، ثم ما علل به عقيقة النبي ﷺ عن نفسه فيه نسبة الصحابة والتابعين والأمة كلها طيلة أربعة قرون إلى تضييع الدين كما سبق الإشارة إلى ذلك.

4- استدلوا بأن النبي ﷺ قد صحّ عنه أنه كان يصوم يومَ الاثنين، وعَلَّل ذلك بقوله: «ذاك يومٌ وُلِدْتُ فيه»([26])، فهذا دليل على أن النبي ﷺ احْتَفل بيوم مولده، فيجوز لنا الاحتفال إذن.

والجواب عنه أن هذا الحديث بعينه دليل على أن النبي ﷺ قد لاحظ خصوصية يوم مولده، وكذلك أصحابه، ومع ذلك لم يتجاوز أحد منهم هذا القدر مما شرعه النبي ﷺ، ولم يرَ أحد منهم أن تخصيص يوم من الأيام بعبادة خاصة به سائغ، ولم يفعل ذلك أحد من أئمة المذاهب ولا غيرهم من الأئمة المتبوعين.

إذن ففي القول باستحباب الاحتفال بمولده ﷺ نسبة الأمة كلها إلى التفريط في تعظيم النبي ﷺ طيلة أربعة قرون، وهذا أمر ممتنع عقلاً وشرعًا، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، كما أخبر النبي ﷺ([27]).

واختيار هذا اليوم بعينه مبني على مذهب من يرى أنه ﷺ قد ولد في الثاني عشر من ربيع الأول، وليس محل اتفاق، فقد اختلف المؤرخون في تحديد اليوم الذي ولد فيه من شهر ربيع الأول؛ فقيل: لليلتين خلتا منه، وهو قول ابن عبد البر، وقيل: لثمانٍ خلون منه، حكاه الحميدي عن ابن حزم، وقيل: لعشرٍ خلون منه، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وهو قول ابن إسحاق، وقيل: لسبع عشرة ليلة خلت منه، وقيل: لثماني عشرة ليلة خلت منه، وقد ذكر ابن كثير هذه الأقوال وغيرها([28])، والسبب في عدم ضبط الصحابة لتاريخ مولده ﷺ أنهم لم يكونوا يتحرون نقل ما لا يتعلق به عمل ولا عبادة، والله تعالى أعلم.

مصادر ومراجع المادة

  • انظر: المورد في عمل المولد، ص 12
  • رواه أبو داود (1134) وصحّحه الألباني
  • انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ص 252
  • انظر مثلًا: البحر المحيط (4/445)
  • انظر في تقرير ذلك مطولًا: تحرير معنى البدعة (ص: 167-230)
  • رواه مسلم (1162)
  • ذكر الإجماع ابن حجر فيما نقله عنه السيوطي، انظر: الحاوي للفتاوى (1/196)
  • انظر: المواعظ والاعتبار (1/490)
  • انظر: اتعاظ الحنفاء (3/99)
  • انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص 21
  • انظر: وفيات الأعيان (4/117-118)
  • انظر: البداية والنهاية (17/205-206)
  • انظر: الفتاوى الكبرى (4/414)
  • انظر: المورد في عمل المولد، ص 10
  • انظر: الاعتصام، ص: 232، 318
  • انظر: المورد الروي، ص 29
  • انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص 21
  • انظر: الأجوبة المرضية (3/1117)
  • انظر: الحاوي للفتاوى (1/189)
  • المرجع السابق
  • انظر: الأجوبة المرضية (3/1117)
  • انظر: المورد الروي، ص 29
  • انظر: الحاوي للفتاوى (1/196)
  • انظر: التروك النبوية، ص 214 وما بعدها
  • انظر: الحاوي للفتاوى (1/196)
  • رواه مسلم (1162)
  • أخرجه الترمذي (2167) وغيره
  • انظر: البداية والنهاية (3/374)
نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب مقالات

منزلة الإخلاص
مقالات

منزلة الإخلاص

مقدِّمةكان رسول الله ﷺ أشدَّ الرُّسل حرصًا على أمَّته وخوفًا عليها في أمور الدِّينِ والدُّنيا، وكان أشدَّ ما يخافُ عليهم الفتن وما هو أشدُّ منها؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "خرج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحنُ…

د. عماد يونس8 دقائقالعدد 11
التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام
مقالات

التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام

المقدمةشهد القرن العشرون وما بعده اتساع حضور التصوف الإسلامي في بيئات غربية، وظهور طرق ومؤسسات وشخصيات كان لها أثر بالغ في تعرّف الغربيين إلى الإسلام. وقد نبّهت د. عبير علي الموزان في دراستها المحكّمة «التصوف…

عادل خزرون التطواني8 دقائقالعدد 11
التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)
مقالات

التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)

الجزيرة السورية هي امتداد جغرافي سوري بين الفرات ودجلة، وتشمل اليوم محافظات: الرقة، ودير الزور، والحسكة، وهي بطبيعتها السكانية متنوعة الأعراق، فغالبها العرب، وفيها الكرد والسريان والشركس والتركمان، ومتنوعة من حيث…

د. سعيد العبد الله7 دقائقالعدد 11

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل