في المولد يظل الجدل عقيما، ما لم يحدد محل النزاع، ويلتزم المتجادلون الكلام فيه!
فالمولد: طقوس وأذكار بدعية ليست معهودة، وهو عيد يضاهي أعياد الإسلام، فيه احتفالات واجتماعات كالأعياد، تنقصها صلاة تخصها! تلقى فيها قصائد شركية، وفق معتقدات وثنية قديمة، فيها وصف النبي ﷺ بخصائص إلهية، يضاف إليها: الذكر بالاسم المفرد، والرقص، والقفز، والدوران، واختلاط الجنسين. وذريعته حب النبي ﷺ.
فهو معتقد وسلوك غريب دخل على المسلمين بأيدي المتصوفة، واستعيرت الخصائص والأوصاف والطقوس الوثنية الهندية والفارسية، فأنزلت على رموز إسلامية، فاحتفالهم بهذا النحو، لا بالنحو الذي يراد الجدل فيه عند العامة؛ أن المولد النبوي مجرد تذكار لسيرة نبوية عطرة، يفاد منها العبر والأحكام، وتحتاج إليها الأجيال، فأي شك في استحبابه؟
لا شك، فالسيرة علم، والعلم لا توقيت له، لكن المتصوفة-حين الجدل- يبدلون محل النزاع؛ من طقوس وثنية محدثة في الإسلام، لم تكن لمدة أربعمائة سنة، إلى تدارس للسيرة بقصد إحراج المعترض، لإظهاره معاندا معارضا لما هو معلوم حسنه ضرورة عقلا وشرعا.
أما محل النزاع الحقيقي، فيتوارى خلف الستور، وتحجب حقائقه حين الضعف، وفي القوة والمنعة يستعلن بها، مهما بدت غريبة منافية، وفي حقيقة هذا المولد وما وراءه نقول:
لدينا قضايا تعلقت بالنبي ﷺ هي: التوسل به، وشد الرحال إلى قبره، ومولده. جعلها المتصوفة علامة على حبه ﷺ، فمَن لم يفعل ذلك أو نهى عنه فهو مبغض! وقد كان الصحابة يتوسلون به في حياته، ولما مات تركوا ذلك؛ كما في حادثة استسقاء عمر، وفي خلافهم في سقيفة بني ساعدة لم يتوسلوا به، كذلك في حرب الردة، وفي محنة الدار وقتل عثمان، وفي الخلاف بين علي ومعاوية، ولو كان مشروعا ما تركوه مع عظم حاجتهم لجواب.
وقد نهى ﷺ عن شد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد فقال: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى"([1])، وأعرب عن معناه الصحابة، فورد أن أبا هريرة خرج إلى الطور، فلما بلغ ذلك بصرة بن أبي بصرة الغفاري قال له حين أقبل: "لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر الحديث"([2]). ومثله عن ابن عمر قال: "دع عنك الطور ولا تأته"([3]).
تلك المسائل فيها راجح ومرجوح أو صواب وخطأ، لا تبلغ شركا ولا إلحادا في ذاتها، غاية ما فيها أنها بدع عند طائفة من أهل العلم، والبدع على مراتب كسائر الذنوب، والصوفية يتذرعون بها؛ لصرف النظر عن حقيقة فكرة مستمدة من ثقافات أجنبية قديمة، تدور على الحلول والاتحاد، دخلت على المسلمين باسم الزهد والمحبة، فليست القضية تذكار سيرة وشمائل، بل فلسفة تدور على إلهية الإنسان إذا ما وصلوا به لمرتبة: "الإنسان الكامل".
وهي فكرة فلسفية صوفية راجت في الأمم المتصوفة، من أهل فارس والهند واليونان، فأطلقوا هذا اللقب على براهما وكيومرث: أول موجود في الكون، فاض عن الإله، كما يفيض نور الشمس، لم يخلقه بل صدر عنه، فهو نور من نور، ونوره امتد إلى جميع ذرات الكون، وهو الجامع لصفات الحق والخلق، وبوساطته قامت الحياة ووجدت الموجودات، وهو يعلم الغيب، ويدبر أمر العالم، وهو قبلة حوائج الخلق، الواسطة إلى الحق، ومن أسمائه الروح الأعظم، والعقل الأول، والنفس الأقدس، وهو إلهي المعدن والفعل لاتحاده بالإله.
وقد اخترعوا هذه الواسطة لمنع الاتصال بين الحق والخلق تنزيها، يقول ابن خلدون في "المقدمة" في سياق كلامه عن التصوف: "وقد أشار ابن سينا في الإشارات في فصول التصوف منها، فقال: جل جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد، وأن يطلع عليه الواحد بعد الواحد. وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية، ولا دليل شرعي، وإنما هو من أنواع الخطابة، أو هو بعينه ما تقوله الرافضة، ودانوا به". وابن سينا فيلسوف متصوف. تلك فكرة "الإنسان الكامل"([4]).
وبما أن لقب "الإنسان الكامل" غريب على المسلمين، اتخذوا بدلا منه لقب "الحقيقة المحمدية" أو "النور المحمدي". فإذا ما سمع السامع هذا اللقب تبادر إلى ذهنه النبي محمد ﷺ، وفي المسلمين من قد لا يحترز من الغلو في حقه ﷺ جهلا بحدود تعظيم الأنبياء، فأنزل هؤلاء به خصائص الإنسان الكامل، ولأجله حرّفوا الكلم عن مواضعه واختلقوا الأحاديث للتدليل، والذي يثبت الاستمداد: ما يرد في أقوالهم وأشعارهم من أوصاف غالية في حق النبي ﷺ، وها نحن أولاء نورد طرفا من أقوالهم، يقول ابن عربي: "بدء الخلق الهباء، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية"([5]).
ويقول الحلاج: "أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم سوى نور صاحب الكرم... همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم، لأنه كان قبل الأمم... العلوم كلها قطرة من بحره.. والأزمان ساعة من دهره"([6]).
وقال ابن الدباغ: "اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات وحجب وما فوقها وما تحتها، إذا جمعت كلها وجدت بعضا من نور محمد، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليه لتهافتت وتساقطت"([7]).
ويقول البوصيري في البردة، وهي قصيدة معظمة عند الصوفية، تلقى في الموالد:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
فإن من جودك الدنـيا وضــرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
تلك هي "الحقيقة المحمدية"، وقد استتروا خلف هذا اللقب المحمدي زمنا إلا أنهم عادوا وحنوا إلى لقبهم القديم فصرحوا به، فهذا إمامهم الأكبر ابن عربي الطائي يطلق لقب "الإنسان الكامل" في كثير من مؤلفاته، وله مؤلف بعنوان: "الإنسان الكلي"، وهذا عبد الكريم الجيلي يضع كتابا بعنوان: "الإنسان الكامل". وهناك آخرون غيرهم.
والإنسان الكامل والحقيقة المحمدية يتمثلان في كل نبي وولي لهم، فهما مشاع لكل من هذب نفسه وصفاها على طريقة فلسفية خاصة، يقول الجيلي: "الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له: محمد. وكنيته: أبو القاسم. ولقبه: شمس الدين. ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم يليق بلباسه في ذلك الزمان... فقد اجتمعت به ﷺ هو في صورة شيخي إسماعيل الجبرتي"([8]).
فالحقيقة المحمدية تظهر في كل زمان ومكان في صورة ولي من الأولياء، وهكذا فالاحتفال لا يقف عند مولد النبي ﷺ، والتوسل به، وشد الرحال إلى قبره، بل يفعلون ذلك بمشايخهم وأوليائهم، وقد جعلوا لكل شيخ مرتبة تضارع مرتبة النبي ﷺ، بل تفوقه لتصل إلى مرتبة الإله، وأذنوا في تقديم القربات إليهم، قال ابن عربي:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
قال رشيد رضا: "الضلالات والبدع المتغلغلة في كتب الصوفية قسمان: (أحدهما) ما أخذه الباطنية من صوفية البراهمة واليونان ودسّوه في التصوف الإسلامي، وليس له أصل من كتاب ولا سنة. (ثانيهما) ما أحدثه بعض شيوخ الطريقة من الأوراد والشعائر المخالفة للسنة في ذاتها أو كيفيتها، ولا يخفى أنه ليس لأحد بعد زمن الوحي أن يجعل بعض العبادات التي لا أصل لها في الدين شعائر تؤدى بطريقة مخصوصة، في أزمنة مخصوصة، بكيفية مخصوصة؛ إذ لم يرد هذا التخصيص في السنة المتبعة، مثال ذلك: صلاة رجب (الرغائب) وشعبان اللتين نصّ الفقهاء على أنهما من البدع المذمومة، وقس عليهما ما هو دون الصلاة من شعائرهم كالاجتماع لقراءة الأوراد والدلائل وللأذكار بالكيفيات المخصوصة، في الأيام المعلومة، والمواسم المؤقتة كالموالد وغيرها، وما فيها من البدع والمنكرات الكثيرة"([9]). فالمولد إنما وضع لإبراز فكرة "الإنسان الكامل".
وكثير من الأتباع لا يدركون الحقيقة، فيحتفلون بمولد لا يعلمون أصله، وهم صادقون في محبتهم وشعورهم تجاه الرسول ﷺ، لكن المحبة وحدها لا تكفي إلا باتباع.
فقد قيل: دعنا من هذه الوثنية الحلولية، لو جردنا المولد من كل هذه الشركيات والبدع، ولم نحتفل به احتفالنا بأعياد الإسلام الفطر والأضحى والجمعة، بل اجتماعا لتذاكر السيرة والشمائل، لا نتجاوزها قيد أنملة، فهل من مانع يمنع، ولو عمّ فخير عمّ، كيف وله نظائر، كالدورات العلمية الشرعية التي تعقد سنويا أو شهريا أو أسبوعيا، ففرق لنا، أو سلّم؟
والحق أنه إيراد خالف بين المعترضين، ومن صدر عن الأصول لم يختلف، والأصل هنا الذي دل عليه الدليل: وجوب اتباع السلف. فلا الصحابة والتابعون ومن تبعهم احتفلوا، ولا الأئمة الأربعة، ولا أئمة الحديث والتفسير والفقه إلى القرن الرابع، حتى كانت الدولة العبيدية، فهي أول مذكور احتفل بالمولد، وقد علم أنها شيعية إسماعيلية عداوتها للإسلام لا تخفى، وأما ملك إربل فقد فعله بعدهم، فهل هؤلاء حجة في الشرع؟
وإنما تظاهر المجوّزون في القرن السابع وما بعده، بعد سيطرة أشعرية صوفية على الفتوى والمدارس الشرعية وتأييد السلطان لهم، وبنوا حكمهم على أصل هو: الاستحسان أو المصالح المرسلة. وراحوا يستنبطون من النصوص دلالات ضعيفة وباطلة على استحباب المولد، من ذلك صيام النبي ﷺ ليوم الإثنين، وأخرى على نسجها ومنوالها، وأرادوا نقض حجية "ترك السلف"، بأصل لهم، هو: أن الترك ليس بدليل على المنع.
وما كانت المصالح المرسلة ولا الاستحسان مقدمة على اتّباع السلف؛ لأن اتّباعهم منصوص عليه فله القوة، وهو السياج في حفظ السنة ومنع البدع، فلولا لزوم اتباع السلف لفتحت الأبواب للبدع كافة، فما من بدعة إلا ويمكن أن يستدل لها بالاستحسان والمصالح المرسلة، وهذا من معارضة الشرع بالرأي، والرأي جهد بشري، والشرع وحي إلهي!
والترك دليلٌ حال توافرت الدواعي للفعل، والمولد لو كان تعبيرا مشروعا عن المحبة، فالصحابة أحق الناس به وأحوجهم إليه، فليس من أحد مثلهم شدة في الوجد على فقده ﷺ، وقد عاشوا معه، وليس الخبر كالمعاينة، فلا يدّع مدعٍ أنه أكثر منهم وجدا، فما ترك أهل القرون المفضلة فعله إلا لأحد أمرين:
إما أنه لم يخطر ببالهم، فذلك دليل على منعه؛ إذ القوم لم تكن لهم إرادة ولا همة إلا في مواقع السنة والاتباع، أو أنه خطر ببالهم وتركوه، فهو أدل على المنع.
لكن المنهج الصوفي الأشعري لا يرى في الاتباع أصلا يهتدى به؛ فالأول يتبع ذوقه، والآخر يتبع عقله، لذا لم يكن غريبا إسقاطهم "التروك" من أدلة الاعتبار والعمل مطلقا، ولو سلكوا العلم لعلموا أن من "التروك" ما هو دليل على المنع، ومنه المولد، أما إطلاق أنه لا يدل على المنع، فقول من لم يفقه، فإنه يلزم عنه تجويز زيادة سادسة على الفروض الخمسة، والاستدلال عليه بأن الترك ليس دليلا على المنع، فإطلاق هذا الأصل بدعة، يفتح الأبواب للبدع كافة؛ فعامتها تروك السلف، فإذا لم يكن الترك حجة في المنع، فلا بدعة مطلقا إذن، ولو كان كذلك، فكيف يحذر الشارع من شيء ليس له وجود؟
من كان في شك من وثنية الموالد، فليتخير طريقة صوفية لا تستتر، وينظر ما تأتي به، أما ما يعلن به ففيه تحرز، والمريد مولدا خالصا سائغا للسيرة سيجد عنتا، فالمتصوفة هم أهل الموالد، وأثرهم فيه أظهر من أثره، ومآل آماله إلى آمالهم، وإذا اكتفى بأحاديث في السيرة عبر الإعلام والمجالس والدورات العلمية، خالية خالصة من الشركيات والبدع، دون رسمها برسم أعياد الإسلام، من: امتناع من الصوم، والأكل والشرب، واللعب، ولبس الجديد، والتهنئة.
إذا فعل ذلك فقد ضيق على المعترض حجته، فلا تبقى له إلا واحدة، هي: أن المولد صنع وختم برسمٍ ونظمٍ مخصصٍ فاستقر وقرّ، فكان أثرا عن منهج مخالف دخيل، والآثار تتبع مناهجها، ولا تتغير إلا بتغير المناهج، وقد قال تعالى: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ* وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الحج: 67-68] ولابن تيمية فتوى ببدعية اتخاذ المولد موسما([10]).




