قام الشيخ د. عمر سليمان الأشقر، رحمه الله تعالى، بجهد علمي في بيان العقائد والأفكار الفاسدة، وخطورتها على العقيدة الصحيحة، وقد عبَّر عن خطورة هذه العقائد ودور العلماء تجاهها فقال: "ونحن اليوم ورثنا عن المدارس الفكرية والعقائدية شيئًا كثيرًا من الأفكار والمعتقدات، ووجدتْ في أيامنا هذه معتقدات جديدة في الشرق والغرب، وقد غزت ديارنا وعقولنا ومناهجنا فماذا نفعل؟ وكيف نتصرف؟ لقد كان مِن فضل الله علينا أن حفظ لنا قرآننا وسنة نبينا"([1]).
ولقد حذَّر د. عمر الأشقر رجالَ الفكر من خطورة ما يقوم به المستشرقون من إحياء المعتقدات الصوفية المنحرفة، المتمثلة في "وحدة الوجود" كما في مؤلفات: ابن عربي، والحلاج، وابن الفارض، وابن سبعين وغيرهم من فلاسفة الصوفية([2]).
اختلاف المنهج القرآني النبوي عن المنهج الصوفي:
يقول د. الأشقر: "ومن المناهج المخالفة للمنهج الإسلامي المنهج الصوفي الذي يُغْرِقُ في التَّعبد، ويَسْتَحدِثُ أنماطًا من العبادات لم يشرعها الله تبارك وتعالى. وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذا المنهج. في سنن أبي داود عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تُشَدِّوُا على أنفسكم فُيشدَّدَ عليكم، فإنَّ قوما شَدَّدُوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم". وقد قوَّم الرسول ﷺ توجه كثير من أصحابه الذين أرادوا قيام الليل كله، وصيام الدهر أبدًا، أو أرادوا الانقطاع إلى العبادة واعتزال النساء أو تحريم اللحم، وبين لهم أنَّ ذلك كلَّه مخالف لسنته ﷺ، وأن مَنْ رَغَب عن سنته فليس منه"([3]).
ورأى الشيخ عمر أن المنهج الصوفي لم يستطع (أن يقيم الأمة المسلمة من عثارها في الماضي؛ بل كان من أسباب البلاء الذي أصاب الفكر الإسلامي، وقد أحدث شرخًا هائلاً في هذا الفكر، فعلماء الكلام قد أحدثوا في ماضي المسلمين من الخلاف والفرقة والانقسام ما يكفي بعضه لهجر هذا المنهج، وأمَّا المنهج الصوفي فقد أقعد المسلمين عن الجهـــاد في سبيل الله تعالى، ومحاربة الشرور والمنكرات، وكان أيضًا من أسباب الضياع الذي أصاب المسلمين)([4]). وأنه لم يفلح المنهج الصوفي في إصلاح حال الأمة الإسلامية، ولم يستطع أن يصد الهجمات الفكرية والعقائدية لخصوم أعداء الإسلام، فأحرى به أن لا يستطيع إصلاح حال الأمة في الحاضر، وأن لا يستطيع مواجهة العقائد الضالة التي ظهرت بقوة في القرن العشرين في كثير من بلدان العالم([5]). قلت: ومن يطالع كتب الصوفية ويدرس واقع المتصوفة اليوم يدرك دورهم في إشاعة الشركيات والانحرافات العقدية، ونشر الخرافات والبدع في المجتمعات التي يوجدون فيها.
وقال رحمه الله: قد قال الرسول ﷺ: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة"، وعندما سئل عن الفرقة الناجية المنصورة قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"([6])، ومنهج هذه الفرقة الناجية المنصورة هو المنهج الإيماني القرآني النبوي، الذي يختلف عن منهج الصوفية. فالمنهج القرآني النبوي يختلف عن المنهج الصوفي في مصادره ومنابعه، وفي طريقه وسبيله، وفي قوة تأثيره وسيطرته، وفي الأسلوب وطريقة الاستدلال، وفي الغاية التي يرمي إليها. وقد حارب أئمة السلف الاتجاه الصوفي الذي يريد أخذ الأمة بعيدًا عن المنهج الإيماني القرآني النبوي، فحارب هذا الاتجاهَ الإمامُ الشافعي، والإمام أحمد، والإمام ابن خزيمة، والإمام البخاري وغيرهم من أئمة الهدى([7]). ولقد نبَّهَ د. الأشقرُ على بعضِ انحرافات الصوفية، ومن ذلك:
أولاً: اعتقادهم الباطل في التوحيد الحق
إنّ الاعتقاد الحق هو الاعتقاد بوحدانية الله سبحانه في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، ثم عبادته وحده لا شريك له، لكن حرَّفَ الصوفيَّةُ هذا المفهوم، فزعموا أنَّه توحيد العامة، أما توحيد الخاصة عندهم فهو الذي يثبت بالحقائق، وزعموا أن هناك توحيد خاصة الخاصة، وما زعموه هو ضلال وفساد في الاعتقاد([8]).
وقد ذهب إلى هذا التقسيم أبو حامد الغزالي، فقال: "فإذن "لا إله إلا الله" توحيد العوام، "ولا إله إلا هو" توحيد الخواص، لأن هذا أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة. ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية. وليس وراء ذلك مرقي...."([9]).
ثانيًا: زعم الصوفيَّة أنّ الولاية أفضل من النبوة
ذكر الشيخ الأشقر هذا العنوان في كتابه الرسل والرسالات (الزعم بأن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء)، ثم قال: "وزعم بعض المتصوفة أنّ الولاية أفضل من النبوة، وزعم هؤلاء أنّ خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، ومِن هؤلاء الذين زعموا هذا الزعم الباطل الحكيم الترمذي، وابن عربي القائل بوحدة الوجود، وهؤلاء كذبوا فيما ذهبوا إليه، فلم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ أنّ هناك خاتمًا للأولياء، ولم يرد أنّه أفضل من غيره من الأولياء، فضلاً عن أن يكون خيرهم، ولم يتكلم في هذه المسألة أحد من الذين لهم باع في العلم ممن يقتدى ويتأسى بهم. وأصل غلطهم أنّهم نظروا فوجدوا أنّ محمدًا ﷺ خاتم الرسل، وأفضل الرسل، فقالوا: هو أفضلهم لأنّه آخرهم، وهذا فاسد فالتأخر والتقدم ليس عليه مدار التفضيل، ولذلك كان إبراهيم متقدمًا وهو أفضل من موسى، وإبراهيم وموسى متقدمان، وهما أفضل من عيسى، وصحّ عن الرسول ﷺ أن أفضل هذه الأمة صحابته الذين كانوا معه، ولو أنّ المسلم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه، وثبت عنه أنه قال: "خير الناس قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم..."([10])([11]). وقد قال:
ثالثاً: مصادر العقيدة عند الصوفية
وتحت عنوان: (مصادر العقيدة) قال د. الأشقر: "أما الصوفية فيقولون: ليست هناك حاجة إلى قرآن ولا إلى حديث، بل مصدرهم: (حدثني قلبي عن ربي)، أو (أنا أعرف ربي بقلبي)([12]).
رابعاً: عبادة الصوفية
انتقد الدكتور عمر الأشقر عبادة الصوفية القائلين: ما عبدنا الله تعالى خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته! وبيَّن أن هؤلاء أضروا بالناس ضررًا كبيرًا. حيث أدى بهم عدم الاهتمام بالجنة التي أعدت للمتقين، والنار التي أعدت للعاصين، ففترت عزائمهم، وضعفت نفوسهم، وأصبحوا لا يتقبّلون المواعظ، وتركوا العمل بما يحبه الله ويرضاه. فقال: "نحن بحاجة إلى أن نَعلم أن آيات القرآن امتلأت بذكر الوعيد، وبذكر ما يناله المؤمنون في الدنيا وفي الآخرة وما يناله الأتقياء والصالحون، فهذا ليس عبثًا، وتكوين الإنسان بهذا الشكل ليس عبثًا، والذين حاولوا أن يغفلوا هذا الأمر أضرّوا بالمسلمين ضررًا بالغًا، مثل الصوفية الذين يقول قائلهم: ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك! فالذين ما عبدوه لأجل هذا، أضروا بالناس ضررًا كبيرًا، وأصبح بسطاء المسلمين يحاولون أن يصلوا إلى هذه المثالية المزعومة فيجدون نفوسهم تأبى ولا تستطيع أن ترتفع حتى لا تطلب جنة ولا تهرب من نار، ثم إذا أهملوا الجنة وأهملوا النار فترت عزائمهم، وضعفت نفوسهم، وأصبحوا لا يتقبلون المواعظ، وتركوا العمل. فهذا أحدث شرخًا في تاريخ المسلمين وفي نفوسهم، وهذا مناقض لمنهج الله سبحانه وتعالى، فلو عقلوا لما اختاروا شيئًا ما اختاره الله سبحانه وتعالى لهم، أما المنهج الذي يصف الله به رسله وأنبياءه والصالحين وأمر عباده أن يسلكوه وبصّرهم به: هو أن يعبد الله بالخوف والرجاء، وما ذلك إلا لأن الإنسان بغير هذا لا يندفع إلى العمل الصالح"([13]).
خامسًا: إباحة المحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات
في كتابه (القضاء والقدر) نقل د. الأشقر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن حال الصوفية: "الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وأنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهذا هو الذي يُبتلى به كثيرًا - إمّا اعتقادًا وإما حالاً - طوائف من الصوفية والفقراء حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات"([14]).
وقال تحت عنوان: (التاركون للعمل اتكالاً على القدر): "ضلّ فريق آخر في باب القدر فقالوا: إذا كان الله عالمًا بكل شيء نفعله، وعالمًا بمصيرنا إلى الجنة أو النار، وكان هو الخالق لأفعالنا، فلماذا نعمل وننصب؟ ولماذا لا نترك الأقدار تجري في أَعِنَّتِهَا، وسيأتينا ما قدّر لنا شئنا أم أبينا. وقد تَعمَّقَتْ هذه الضلالة عند طوائف من العُبَّاد والزهاد وأهل التصوف، ولم تقله طائفة واحدة بعينها من طوائف أهل المقالات، وكان ولا يزال هذا القول على ألسنة كثير من جهال المسلمين وأهل الزيغ والزندقة"([15]).
سادسًا: القول بفناء النار
تحت عنوان: - القائلون بفناء النار- في كتابه (الجنة والنار)، قال د. الأشقر: "والمخالفون لمذهب أهل الحق في هذه المسألة سبع فرق": وذكر منهم الصوفية، "قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي، فإنه زعم أن أهلها يعذبون فيها مدة، ثم تنقلب طبائعهم نارية يتلذذون بالنار لموافقتها لطبائعهم، قال ابن حجر في الفتح: "وهذا قول بعض من يُنسبُ إلى التَّصوفِ من الزَنَادقة"([16]).
الخاتمة:
بذل الشيخ جهدًا علميًا متميزًا في التأصيل لمذهب السلف في العقيدة، والكشفِ عن الآراء الزائغة، والفرق الضالة كالصوفية. حيثُ بيَّنَ رحمَهُ اللهُ تعالى فسادَ منهجهِم واختلافهِ عن المَنهجِ القرآنيِّ النَّبويِّ، لذلك لم ولن يفلح في صلاح أحوال الأمة، فمعظم الكتب والمصادر الصوفية، وكذا الفرق والطرق الصوفية تنضحُ بالأقوالِ والآراءِ الضَّالةِ المُضلَّةِ، والمعتقداتِ الكُفرِيَّةِ، وقد ذكرَ الشيخُ الأشقرُ نماذجَ منها.




