مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
مقالات

آداب تسلُّط وتعصُّب!

يوسف سمرين 7 دقائق قراءةربيع ثاني 1448 هـ — سبتمبر 2026 م 371
آداب تسلُّط وتعصُّب!

لم يتوانَ المتصوِّفة عن نسبة طرقهم إلى مرحلة متقدِّمة من تاريخ الإسلام لمنحها شرعيَّة دينية مثل الادِّعاء بأنَّ طرقهم هي الأخلاق الأولى وأنَّ "التَّصوُّف هو خلق الصَّحابة والتَّابعين والسَّلف الصَّالح"([1])، وليس في هذا شيء يثبت فليس لهم خصيصة دون باقي المسلمين من خلق أو معرفة، وأعلى ما لهم في هذا الادِّعاء ما كان من شأن الخرقة لما لها من رمزية عندهم بأنَّ لهم في ذلك إسنادًا إلى الحسن البصري عن عليِّ بن أبي طالب وهذا "من الكذب المفترى"([2]).

كانت نشأة التَّصوُّف قد ارتبطت بلبس مخصوص لهم دون النَّاس، فلبسوا الصُّوف وأظهروا الزُّهد والفقر، واشتهر ذلك مطلع القرن الثَّاني الهجري في البصرة، ونُقل مع بدايتهم في ذلك الإنكار عليهم، فقد "جاء عبد الكريم أبو أمُيَّة (127هـ) إلى أبي العالية (93هـ)، وعليه ثياب صوف، فقال أبو العالية: إنما هذه ثياب الرُّهبان، إنْ كان المسلمون إذا تزاوروا تجمَّلوا"([3])، وروي أنَّ حمَّاد بن أبي سليمان (120هـ) حين قدم البصرة من الكوفة قال: "لقيتُ فرقدًا السَّبخي وعليه ثياب صوف، فقلتُ له: ألقِ نصرانيتك هذه، فلقد رأيتُنا نأتي إبراهيم النَّخعي حتى يخرج إلينا في المعصفر، ونحن نرى أنَّ الميتة قد حلَّت له"([4])، وفرقد وعبد الكريم بصريان.

هذا التَّميُّز عن سائر النَّاس باللِّباس هو ما منحهم اسم الصُّوفية قبل أن يحرص بعضُهم على منح هذا الاسم معنى روحيًّا من الصَّفاء في دلالته وفي ذلك قيل:

تنازَع النَّاسُ في الصُّوفي واختلفوا          قدمًا وظنُّوه مشتقًا من الصُّوفِ

ولستُ أنحلُ هذا الاسم غير فتى          صافى فصُوفيَ حتى لقِّبَ الصُّوفي([5])

وقد رافق -إضافة لزيِّهم الخاص- قواعد وقوانين مخصوصة تزيد في عزلتهم عن جمهور المسلمين الذين رأوا أنَّهم من العامَّة وأنَّهم هم الخاصَّة وزادت قرنًا بعد قرن! تلك القواعد ضمنت لهم تعصُّب الأتباع وسمَّوها آدابًا، فكانت ثمرة ذلك (الانهماك الأخلاقي الدَّائم المزعوم!) وفي كلِّ مدَّة تظهر في المطابع كتب عن تلك (الآداب)، ومنها (رسائل نادرة في تصوُّف العرفاء) لمحمد باقر البالكي الشهير بالمدرِّس الكردستاني المتوفى سنة (1391هـ)، وذكر فيه فصلًا عن الآداب التي ينبغي أن تكون عند الصُّوفي بنظره، وقد اعتمد فيه على تركة من سبقه من الصُّوفية، وهي التي استقرَّت في الطرق المتأخرة بعد تراكم الأقوال والسُّلوك للمتصوفة عبر القرون السَّابقة، ويمكن ملاحظة البون الشَّاسع بين المتقدِّمين والمتأخرين حين تطالع تلك الآداب، لكنَّها هي التي استقرَّت في مختلف الطُّرق اليوم.

تلك الآداب يستعملون فيها ألفاظًا شرعية ثم يجعلون معانيها وضعية اصطلاحيَّة خاصَّة بهم، يقول البالكي في رسائله: "التزم الطَّريق وسلكه في كلِّ عصر جمع كثير من العلماء الرَّبانيين، وسلَّموا أنفسهم لمرشديهم، وكانوا بين أيديهم كالميِّت بين يدي الغاسل"([6])، ومن شروط الطَّريق عندهم: "الطَّهارة"([7])، ولا يقصدون بهذا الدِّلالة الشَّرعية الأصلية، بل يرون أنَّ من معانيها الاصطلاحية الخاصَّة بهم "عدم المال، وعدم الجاه، وعدم العصيان"([8])، ومن الشُّروط ضرورة المرشد، ويقول فيه: "هو مرشده الكامل المكمِّل"([9])، هذا المرشد ليس مجرد مقتدى به يقدِّم نصائح! بل له موقع سلطة هائلة تشبه القائد العام العسكري على جنوده، إذ المريد عندهم "من شروطه أن يسلِّم نفسه بالكليَّة لمرشده، حتى يجب أن يكون بحيث لا يخالفه في المنام"([10])! ولا شيء أوضح من الطَّاعة العمياء التي يحثُّون عليها ما يختصره بكلمة: "من قال لشيخه: لمَ؟ لم يفلح أبدًا"([11])، ومن الشُّروط ما يسمُّونه الحِصن، يقول في شرحه: "أما الحصن فهو أربعة: خلوة، وقلَّة كلام، وقلَّة منام، وقلَّة الطَّعام"([12]).

ثم يرى بأنَّ التَّشدد في هذه الشُّروط لم يعد واقعيًّا منذ القرن السَّادس، وينسب التَّسهيل فيها إلى السَّهروردي، قال: "شاور أولياء عهده واجتهد وقال: إن راعينا هذه الشروط في شرِّ الزَّمان لا يبقى للطَّريقة أثر، فقسَّموا الصُّوفية السَّالكين إلى أربعة أقسام: الصُّوفي: وهو الجامع للشَّرائط، والمتصوُّف: وهو العدل، والمتشبِّه: وهو الفاسق قليل الذُّنوب، والمتشبه بالمتشبه، وهو الفاسق الكامل الفسق، وقالوا: لعل الرَّابع والثَّالث ببركة صحبة الصُّوفي الصَّفي يتقللَّ ذنبه شيئًا فشيئًا"([13]).

فضمَّت الطُّرق من مختلف الأصناف بحجَّة أن ذلك قد يقلِّل ذنوب الفسقة، مع الاعتقاد بالمرشد وأنَّه كامل مكمِّل، ومع كلِّ هذا يبقي من (الآداب) ما مؤداه عدم الإنكار على الطُّرق الصُّوفية فمن ذلك قوله: "إذا سمعتَ منهم من يقول: إنَّ الشَّيخ أعطاني ولدًا صالحًا، فهذا وإن كان بظاهره شرك لكن يجب عليك أن تقول هو مجاز!"([14])، وهكذا بصيغ الأوامر الحاسمة التي تفيد الوجوب! ومثله: "لو قال: إنَّ يد شيخي وضعته في رحم أمه"([15])، فهذا ينبغي ألا ينكره على أهله، أما من أنكر ذلك عليهم فهم عنده "أهل البدعة"([16])، فما داموا ليسوا من الصُّوفية فهم مبتدعة، ولم يحمل إنكارهم لمحدثات أتباع طرقهم على المجاز! بل حمل كلام الأتباع الذين نسبوا رزق الولد فيه إلى الشَّيخ على مخرج والتمس لهم الحيلة، فهي قواعد للتَّعصُّب لا للبحث.

تلك الآداب المزعومة لا يمكن التَّهوين من تأثيرها على  تكوين نفسية الإنسان المقهور في المنطقة العربية، وإن كانت تلك النَّفسية ساهمت فيها عوامل عديدة، ويمكن تلمُّس تلك العلاقة حين ينظر إلى ما سبق كمقدِّمات تربوية ونفسية لما رصده مصطفى حجازي في العصر الحديث بأنَّ "الإنسان المقهور يسبغ على شخص الزَّعيم كلَّ تصوراته الطِّفليَّة بالقوَّة والقدرة وكلَّ مثله العليا، ويجعل منه باختصار الصُّورة النَّقيض تمامًا لتصوره عن نفسه والتي يجهد في الهروب منها، لأنها نموذج النَّقص والمهانة، إنَّ الإنسان المقهور لا يعيش في علاقته بالزَّعيم علاقة فعليَّة بين إنسان وآخر على اختلاف المقامات، بل بين إنسان وتصور خرافي يسقط على الزَّعيم، وهذا ما يحمّل الزَّعيم أعباء لا قبل لأحد من بني البشر بها، يتصوَّر الإنسان المقهور علاقته مع الزَّعيم المنقذ بشكل تملكي، فهو تابع ولكنَّه يحسُّ في قرارة نفسه أنَّ هذا الزَّعيم مجرد أداة لتحقيق آماله، ويحسُّ أنَّ علاقته معه لا يمكن أن يعتريها الوهن، وأنَّ ما وضعه فيها من رجاء لا يمكن أن يخيب، ويحسُّ أنَّ عليه أن يقعد كالطِّفل منتظرًا الهناء والأمن والخير الوفير يأتيه هينًا على يدي الزَّعيم المنقذ، كما كان يأتيه طفلًا من أمِّه، فالزَّعيم المنقذ هو الأب الحامي والأم المرضعة على السَّواء، وهو بالتَّالي رمز الكمال الذي يحاول التَّماهي به كأسلوب لحل مأزقه بشكل سحري"([17]).

هذه التَّصورات الطُّفولية يمكن العثور على نواتها ومقدِّماتها الأولى بسهولة في تلك الآداب التي ردَّدها الطُّرق الصُّوفية، باستبدال اسم الزَّعيم بالمرشد الكامل المكمِّل! وقد دُعمت تلك الطُّرق لمدَّة طويلة من السُّلطة السِّياسية التُّركية في المنطقة العربية حيث أصدر (شيخ الإسلام) في دولة آل عثمان فتوى تقرُّ كلَّ مؤلفات ابن عربي الحاتمي (638هـ) وعبَّر السُّلطان سليم الأول عن احترامه لهذا الصُّوفي في دمشق سنة (١٥١٧م) فبنى ضريحًا له وجامعًا حوله([18])، تلك المرحلة عزَّزت من استقرار تلك (الآداب) وترسيخها اجتماعيًّا لتسهم في أنماط راضخة للإدارة بلا قدرة على المواطنة السِّياسيَّة أو الفاعلية المضادة، وحوت مختلف العناصر التي وضعت المقدِّمات لنتيجة الإنسان المقهور، ذلك الشَّخص الهامشي الذي ساهم وجوده في مختلف النَّكبات حتى لو كانت مساهمة سلبية لا مبالية، فمن ذلك "التَّبخيس الذَّاتي الذي يلحق به من جرَّاء وضعية الرُّضوخ"([19])، وأيُّ رضوخ أكبر عبر ترويض أكبر قدر من النَّاس بأن يكونوا كالأموات بين أيدي مغسِّليهم، إنَّه مسلك عزز "رفض الذَّات وعدم الاعتراف بها، بل إدانتها على فشلها، وينطلق المرء في مجموعة أحكام سلبيَّة تجعله لا يرى خيرًا أو عزَّة في ذاته، إنَّها مصدر التَّقصير، وموضع الهوان"([20])، ثم بعدها عليهم أن يتعلَّموا تخريج ما ينكره العقل والشَّرع والفطرة على أنَّ له مخرجًا مجازيًا، أن يهاجموا النَّاقد لتلك المظاهر على أنَّه أهل بدعة، وهكذا تم إعداد أجيال لفكرة التَّسويغ والإنكار والتماس التأويل للجماعة أو الشَّيخ أو الزَّعيم!

على أنَّ تلك الآداب الخاصَّة ليس لها أصل في الدِّين انفردوا به دون النَّاس، قال ابن تيمية (728هـ): "لا يُلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوِّفة من الآداب التي لا أصل لها في الدِّين من التزام شكل مخصوص من الألبسة ونحوها مما لا يُستحب في الشَّريعة"([21])، "وليس لأولياء الله وعباده الصَّالحين زيٌّ مخصوص يتميَّزون به على غيرهم في الظَّاهر، ولا حلق رأس، ولا لبس صوف أو شعر، ولا اعتزال في المنزل دائمًا، ولا ترك لمخالطة النَّاس دائمًا، ولا غير ذلك من الأمور التي هي غير مستحبة في الشَّريعة، بل ولا من خصائصهم أو لوازمهم لزوم شيء معيِّن مستحب في الشَّريعة، ولا الزُّهد في فضول المباح، ولا صوم الاثنين والخميس، ولا صلاة الضُّحى، ولا التَّسوُّك، ولا غير ذلك، بل أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتقون من جميع أصناف النَّاس"([22]).

مصادر ومراجع المادة

  • حسن التَّلطُّف في بيان وجوب سلوك التَّصوُّف، عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري، مكتبة القاهرة، ط 4، ص 11
  • المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة، السَّخاوي، حققه: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي، ط 1، ص 527
  • الأدب المفرد، البخاري، خرّجه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار البشائر الإسلامية، ط1، ص 128، رقم الأثر: 348
  • المراثي، محمَّد بن العبَّاس اليزيدي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ص 192
  • حسن التَّلطُّف في بيان وجوب سلوك التَّصوُّف، عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري، ص 5
  • رسائل نادرة في تصوُّف العرفاء، محمد باقر البالكي الشهير بالكردستاني، جمع وتحقيق تلميذه: مسعود محمد علي الدَّربنديخاني، دار الفتح للدِّراسات والنَّشر، ص 130
  • نفس المصدر، ص 120
  • نفس المصدر، ص 120
  • نفس المصدر، ص 120
  • نفس المصدر، ص 125
  • نفس المصدر، ص 125
  • نفس المصدر، ص 122
  • نفس المصدر، ص 126
  • نفس المصدر، ص 136
  • نفس المصدر، ص 137
  • نفس المصدر، ص 136
  • التَّخلُّف الاجتماعي؛ مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، مصطفى حجازي، المركز الثَّقافي العربي، المغرب، ط 9، ص 121
  • انظر: تاريخ الدولة العثمانية من النشوء إلى الانحدار، خليل إينالجيك، ترجمة: محمد الأرنؤوط، دار المدار الإسلامي، ط 1، ص 301
  • التَّخلُّف الاجتماعي، ص 123
  • نفس المصدر، ص 127
  • مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 31، ص 55
  • جامع المسائل، أحمد بن تيمية، المجموعة التَّاسعة، تحقيق: عبد الرَّحمن بن حسن بن قائد، دار عالم الفوائد، ط 1، ص 49

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب مقالات

منزلة الإخلاص
مقالات

منزلة الإخلاص

مقدِّمةكان رسول الله ﷺ أشدَّ الرُّسل حرصًا على أمَّته وخوفًا عليها في أمور الدِّينِ والدُّنيا، وكان أشدَّ ما يخافُ عليهم الفتن وما هو أشدُّ منها؛ فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "خرج علينا رسولُ اللهِ ﷺ ونحنُ…

د. عماد يونس8 دقائقالعدد 11
التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام
مقالات

التصوف الفلسفي: بوابة الغرب إلى الإسلام

المقدمةشهد القرن العشرون وما بعده اتساع حضور التصوف الإسلامي في بيئات غربية، وظهور طرق ومؤسسات وشخصيات كان لها أثر بالغ في تعرّف الغربيين إلى الإسلام. وقد نبّهت د. عبير علي الموزان في دراستها المحكّمة «التصوف…

عادل خزرون التطواني8 دقائقالعدد 11
التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)
مقالات

التصوف في سوريا بين التشيع والعلمانية (محافظة الحسكة أنموذجًا)

الجزيرة السورية هي امتداد جغرافي سوري بين الفرات ودجلة، وتشمل اليوم محافظات: الرقة، ودير الزور، والحسكة، وهي بطبيعتها السكانية متنوعة الأعراق، فغالبها العرب، وفيها الكرد والسريان والشركس والتركمان، ومتنوعة من حيث…

د. سعيد العبد الله7 دقائقالعدد 11

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل