مجلة مدارك — مجلة شهرية علمية متخصصة في بيان حقيقة التصوف
محطات تاريخية

الصوفية والبطش بمخالفيهم

هيثم الكسواني 3 دقائق قراءةصفر 1448 هـ — يوليو 2026 م 21
الصوفية والبطش بمخالفيهم

ارتبطت صورة الصوفي لدى البعض بالدرويشِ المسالم، والزاهدِ العابد، المعرضِ عن الدنيا وزينتِها، لكن الحقيقة في بعض الأحيان مختلفة تمامًا، فالصورة التي نحن بصدد الحديث عنها في هذه المحطة التاريخية هي للصوفي الذي يبطش بمخالفيه -لا سيما العلماء والفقهاء من أهل السنة- عند امتلاكه للقوة، ويستغل علاقته بالسلاطين والحكام لإلحاق الأذى بخصومه.

وقبل الدخول في صلب الموضوع نشير إلى نظرة الصوفية السلبية "جدًا" إلى العلماء، واعتبار أنهم خطر على الصوفية، وهو ما يعبّر عنه إمام الصوفية ابن عربي بقوله: "ما خلَق الله أشقّ ولا أشدّ من علماء الرسوم([1]) على أهل الله المختصين بخدمته([2])، العارفين به من طريق الوهب الإلهي، الذين منحهم أسراره في خلقه، وفهم معاني كتابه وإشارات خطابه، فهُم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام"([3]).

أما إمام الصوفية الآخر، ابن سبعين، فيصف الفقيه بقوله: "يزعم أنه يفهم كلام الرسل وخير الرسل، ويعلل دينه ويتممه برأيه واجتهاده، ويعطل قوله على خبر الذي أخرجه من عباده، ويدفع اليقين بالجهل، ويفعل فعل أبي جهل"([4]).

تبدأ محطتنا في هذا العدد من اليمن، حيث تبوأ الصوفية مكانة كبيرة زمن الدولة الرسولية التي تعرف أيضا باسم "دولة بني رسول"([5])، "فالمؤرخون يذكرون تلك الصداقة الوطيدة بين مؤسس الدولة الرسولية الملك المنصور عمر بن علي بن رسول (حكمه من 629 – 647هـ) وبين الفقيه الصوفي محمد بن أبي بكر الحكمي (ت 617ه)، وصاحبه محمد بن حسين البجلي (ت621هـ)، وهما من كبار الصوفية في اليمن. ويقال إنهما اللذان قوّيا عزمه في الاستيلاء على الحكم بعد مشاهدتهما تضعضع الدولة الأيوبية، وتنافس أمرائها فيما بينهم على الحكم"([6]).

وبهذه العلاقة الوطيدة نشأت "منفعة متبادلة" بين الطرفين، استفاد فيها الصوفية من سلطة الحاكم، واستفاد الحاكم من انتشار الصوفية في المجتمع، وصار للصوفية في اليمن قاعدة عريضة يستندون إليها، وأصبح ملوك هذه الدولة يدينون بالولاء التام للصوفية ومكّنوهم تمكينًا تامًّا، "فما مِن اعتراض من الفقهاء على الصوفية إلاّ ويقمعه ملوك بني رسول"([7]).

وازدادت قوة الصوفية حتى صاروا أشبه بـ "دولة داخل الدولة"، وكان زعيمهم إسماعيل الجبرتي قد انضم إليه أتباع كثيرون "حتى أصبح لهم سلطة توازي سلطة الدولة، فصاروا يصدرون الأحكام في حق مخالفيهم من الفقهاء"([8]).

ومِن ذلك "القمع" ما حدث في سنة 797هـ، عندما أمر الجبرتي بضرب الشيخ صالح المكي، فضُرب بالسياط ضربًا مبرحًا. ثم إن الشيخ إسماعيل استأذن السلطان في إخراجه من اليمن فأجابه إلى ذلك، وصرف أمره إلى أمير البلد، فأرسل به الوالي إلى البحر، وأمر نوابه أن يسافروا به إلى بر العجم([9])، فلمّا صاروا به في البحر -وكان يومًا شديد الرياح- صرفتهم الرياح عن مقصدهم وألقتهم في ساحل الحديدة([10])، فأقام هنالك متسترا"([11]).

ومِن الذين تعرضوا للقمع والمضايقات: الشيخ أحمد الناشري "حتى أنهم سعوا به إلى السلطان لمنعه من الفتوى وإخراجه من زبيد([12]) والتخلص منه"([13]).

وفي إطار سعيهم لتثبيت أقدامهم سعى الصوفية لتولي منصب القضاء العام، وهو يومئذِ أهم منصب بعد منصب الإمارة، وقد تولاه زعيمهم أحمد الرداد الذي قام بحملة شاملة لقمع العلماء المعارضين للصوفية، باستخدام أساليب عديدة كالضرب، وتخريب المنازل، والمضايقة في المعيشة، والنفي، والسجن، في حين هرب آخرون بسبب هذه الإجراءات([14]).

وبعد سقوط الدولة الرسولية، سارت الدولة الطاهرية على نهجها في ما يتعلق بالصوفية، "في كسب ود الطرائق الصوفية وكبار شيوخها، وكانت للصوفية حظوة كبيرة لدى سلاطينها وأمرائها وحكامها، حيث تقربوا إلى مشايخها الكبار بالهدايا والعطايا والأموال، وكان أبرز هؤلاء السلاطين الطاهريين السلطان عامر بن عبد الوهاب، (قتل923هـ/1517م) وكانت الضرورة السياسية تحتم عليه أن يبحث عن أنصار أقوياء يساندونه في تحقيق مآربه، فوجد ضالته في الصوفية ومشايخها الكبار نظرًا لما يملكون من تأثير كبير على أتباعهم ومريديهم الذين كانوا يملكون قوة شعبية لا يستهان بها من ناحية، ويستخدمهم ضد خصومه السياسيين الذين رفضوا الاعتراف به وبدولته من ناحية أخرى"([15]).

لقد انتبه الإمام ابن الجوزي (ت 597هـ) مبكرًا إلى التغير الذي حصل على علاقة المتصوفة بالحكام والملوك، فقال: "وقد كان أوائل الصوفية ينفرون من السلاطين والأمراء فصاروا أصدقاء"([16])، فكيف لو رأى حالهم في ظل الدولتين الرسولية والطاهرية في اليمن، بل لو عاش إلى يومنا هذا، ماذا عساه يقول؟!



نسخة PDF من المادة

التعليقات(0)

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من باب محطات تاريخية

أول ضريح صوفي في مصر (245ه)
محطات تاريخية

أول ضريح صوفي في مصر (245ه)

في سنة 245هـ، توفي الصوفي الشهير ذو النون المصري، أحد الصوفية الأوائل، وقد اختلف المؤرخون في ترجمته، فقال الحافظ ابن كثير: "ثَوبان بن إبراهيم،.. أبو الفيض المِصريّ، أحدُ المشايخ المشهورين، وقد ترجمه القاضي ابن خلكان في…

هيثم الكسواني4 دقائقالعدد 11
صراعات على الزعامة والمشيخة
محطات تاريخية

صراعات على الزعامة والمشيخة

تعدّ الخلافات والصراعات على الزعامة والمشيخة جزءًا لا يتجزّأ من المشهد الصوفي، فمِن وقت لآخر، وما إن يُعلَن عن وفاة شيخٍ من شيوخ الطرق الصوفية في بلدٍ ما حتى تندلع على الفور معركة خلافته بين عدد من الطامحين نحو المال…

هيثم الكسواني3 دقائقالعدد 10
محطات تاريخية
محطات تاريخية

محطات تاريخية

لا نكشف سرًّا إذا قلنا إنّ التصوف هو مرتع للخرافة والجهل والسلبية، فالتصوف اختطّ لنفسه خطًّا بعيدًا عن العلم الشرعي المستمد من الكتاب والسنة، وغرق في أوهام وجهالات لا حصر لها.وفي هذه المحطة نتحدث عن خرافة من خرافات…

هيثم الكسواني3 دقائقالعدد 9

سؤال أو مساهمة علمية؟

راسل هيئة التحرير مباشرة عبر البريد الرسمي — نموذج التواصل يجهّز رسالتك ويحوّلها لبريدك.

صفحة التواصل